إعلان نيويورك بوادر حلحلة في نفق مظلم

نوري جاسم

في لحظة يغلي فيها العالم على وقع أصوات القصف وصيحات الجوع في غزة، جاء إعلان نيويورك بين الثامن والعشرين والثلاثين من تموز 2025 صرخة سياسية في وجه الموت الممتد منذ عقود، واجتمع ممثلو عشرات الدول في مقر الأمم المتحدة ليكتبوا بيانًا بدا وكأنه آخر قبس من نور في نفق مظلم طويل، حيث وُضع على الطاولة حلاً طال انتظاره وأرهقته الخيبات حل الدولتين، والإعلان حمل وعودًا كبيرة وألفاظًا قوية، فقد دعا إلى وقف فوري للحرب في غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية على أساس الدولة الواحدة والحكومة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد، مؤكّدًا أن غزة والضفة لا يمكن أن تكونا إلا كيانًا واحدًا لشعب واحد، وكما شدد على إنهاء الاحتلال والحصار ورفض مشاريع التقسيم والتهجير التي تمزق الأرض وتستنزف ما تبقى من حياة.

وفي الوقت ذاته وعد بدعم السلطة الفلسطينية سياسيًا وماليًا لتستعيد عافيتها، وطالب المجتمع الدولي بالاعتراف الكامل بدولة فلسطين عضوًا في الأمم المتحدة، مع وقف الاستيطان وإلغاء كل مخططات الضم التي تسرق الأرض أمام أعين العالم، والإيجابيات التي حملها الإعلان كانت واضحة، فلأول مرة منذ سنوات تلتقي أصوات أوروبا والعرب وأطراف إقليمية ودولية على خطة واضحة تقف إلى جانب الفلسطينيين، وها هي دول كندا ومالطا تتعهد بالاعتراف بدولة فلسطين قريبًا، وبريطانيا وفرنسا تلوّحان بخطوة مشابهة، والأهم أن الإعلان أعاد مطلب توحيد غزة والضفة تحت راية واحدة، وهو حلم أنهك الفلسطينيين وهم يرون أرضهم تتشظى بين الحصار والانقسام والسيطرة القسرية، ولكن الصورة ليست وردية بالكامل، الغياب المتعمد لإسرائيل والولايات المتحدة عن المؤتمر يثير أسئلة كبيرة حول قدرة هذه المبادرة على أن ترى النور، والسلطة الفلسطينية نفسها تعاني من ضعف داخلي وفقدان للثقة الشعبية، ما يجعلها بحاجة إلى أكثر من دعم خارجي لتعيد بناء مؤسساتها، وان البنود رغم قوتها جاءت بلا جدول زمني صارم، والفلسطينيون يعرفون جيدًا كيف تتحول الوعود الجميلة إلى أوراق تذروها الرياح، يضاف إلى ذلك أن التوتر الداخلي بين الفصائل قد يفجّر أي جهد لإعادة غزة إلى حضن السلطة الفلسطينية، وأن إعلان نيويورك تحدث عن ضمانات للمتابعة، فقد تم التوافق على تشكيل آلية دولية للإشراف على وقف إطلاق النار وانسحاب الاحتلال، وتعهدت دول مانحة بدعم مالي عاجل لإعادة إعمار غزة وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، مع وعود بممارسة ضغوط دبلوماسية على إسرائيل لوقف الاستيطان وربط علاقاتها الدبلوماسية بمدى التزامها بخطوات الحل، والشارع الفلسطيني يعيش اليوم بين الأمل والخذلان.

وهناك من يرى في الإعلان فرصة لا يجوز التفريط بها، وهناك من لا يزال مثقلاً بذاكرة خيبات سابقة تركت الوعود معلقة في الهواء، أما الشارع العربي والإسلامي فقد تلقى المبادرة بارتياح مشوب بالحذر، فقد أُعيدت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي بعد سنوات من التهميش، لكن وسط كل ذلك بقي الجرح الأكبر نازفًا في غزة حيث يئن الأطفال من الجوع والمرض تحت الحصار والقصف، وأن الإعلان شدد على ضرورة إدخال المساعدات ورفع القيود فورًا عن الغذاء والدواء، لكن الكلمات لا تطعم خبزًا ما لم تتبعها أفعال، ومع ذلك، هناك بوادر حلحلة لا يمكن إنكارها، وأن الالتزام الدولي بوقف الحرب يبدو أكثر جدية من ذي قبل، وخطوات الاعتراف بفلسطين تكبر ككرة ثلج وقد تتحول إلى تيار سياسي يجتاح العالم، وإشراك السلطة الفلسطينية في إدارة غزة يعيد شيئًا من وحدة الصف الوطني، لكن يبقى السؤال ثقيلًا هل يكفي الضغط الدبلوماسي لتحويل إعلان نيويورك إلى خريطة طريق حقيقية؟ أم أننا أمام بيان آخر يُضاف إلى مقبرة المبادرات التي وُلدت ميتة؟ إن إعلان نيويورك أشعل شمعة في عتمة الواقع، لكنه سيبقى رهينة الإرادة الدولية وقدرة الفلسطينيين على ترتيب بيتهم الداخلي، وان الضمانات مهمة، نعم، لكن الأهم هو الأفعال التي تُنهي الاحتلال وتعيد الحياة إلى غزة التي يقتلها الجوع ببطء، ولم يعد الفلسطينيون يملكون ترف الانتظار ولا رفاهية المزيد من الخيبات، إن كان في هذا العالم بقية من عدل، فلتُفتح نافذة الأمل الآن قبل أن يُغلق الباب نهائيًا…

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا