يوميات رجل حائر

 

دلزار اسماعيل رسول

تتداخل ملامح الطيف الذي يطاردني في صحوي ومنامي ….مكبلاً إياي بقيود خفية نسجتها نظراتها الآسرة وإيماءاتها الغامضة التي تكادتنطق…. فليتها تتوقف قليلاً عن هذا الإبحار السادر في عوالمها البعيدة …وتصغي إلى دقات قلبي المثقلة…. لطالما راودتني رغبة عارمة في أن تتبدد من حياتي بغتة كما اقتحمتها أول مرة دون استئذان… فالشكوك باتت تنهش سكينتي ويضنيني …أن كل رحيل لها لا يخلف وراءه سوى سراب باهت من وعود واهية تولد وتموت في أعماقي… كم خطوت نحو الهجر ثم تراجعت متعثراً… فقد نجحت في تعمية بصيرتي وحجب الحقائق عن ناظري وجعلتني أنساق خلف حديثها حتى النهاية لأكتشف في الختام أنني غريب في حضرتها وأنها لا تملك لي سوى بضع كلمات معلقة في الفراغ يتبعها صمت مطبق… أجدني اليوم أدور في حلقة مفرغة بين أزقة وعودها المنسية… تائهاً بين عباراتها التي لا تسمن ولا تغني من جوع… ولو كان بمقدوري أن أحلق بعيداً بروحي فوق هذا العالم بأسره لنسيت هويتي وهويتها ولتطهرت تماماً من مرارة الندم التي تطاردني… لست بذاك الذي يترك قلبه ليغرق مستسلماً في طوفان جارف دون أدنى مقاومة… فليست كلال هفوات تُغتفر باسم العشق …وأنا رجل يزن خطواته بميزان الحذر ولايرضى لوعيه أن يغيب… أتساءل دوماً في حرقة عن المسافة الفاصلة بيننا وأين يقع كل منا في عالم الآخر …فاللقاء بات يورثني شجناً عميقاً والغياب يمزق ما تبقى مني …بل إن مجرد وجودها يغرقني في لجة من التساولآت الحائرة التي لا تنتهي… لهذا كله حسمت أمري وقررت المضي قدماً في نسيانها قبل أن تضيع ملامح روحي وتنمحي كينونتي… فالآن فقط انقشعت غشاوة الأوهام التي أغرقتني فيها طويلاً وبدأت أنسلخ من ذاتي القديمة لأبحر نحو أفق جديد …وإن كانت تلوح في أواخره غيمة حزن متربصة… فلن أرتضي لنفسي أبداً أن أكون مجرد رقم عابر في سجلات أيامها …وحين تسألني عن الصدق واليقين أقول لها إن في داخلي صوتاً يرفض تصديقها …وإذا ما استفسرت عن سعادتي سأجيبها جازماً بأنني في أوج انعتاقي… ورغم وجود غصة داكنة تعتصر فؤادي إلا أنني نلت حريتي واستيقظت أخيراً من حلم كان الأجمل والأقسى في حياتي… فلا مجال للمحاولة مجدداً بعد أن اتخذت قراري النهائي بالنسيان والرحيل… إذ لم تعد تجدي المحاولات نفعاً …وهي تعلم تمام العلم أن كل أمنياتها المعلقة ليست سوى نافذة ضيقة ومغلقة تطل على سراب أخرس لا يملك جواباً…

قد يعجبك ايضا