جينوسايد البارزانيين: جريمة صمت عليها العالم

 

أ.د.خليل مصطفى عثمان

أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

 

في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق الحديث، أقدمت حكومة حزب البعث في عام 1983 على تنفيذ جريمة إبادة جماعية بحق أكثر من 8000 رجل وشاب من عوائل البارزانيين، معظمهم من المدنيين العزل. هذه الجريمة، التي تمثّل تكملة لحلقات حملة الابادة الممنهجة ضد الشعب الكوردي و التي بدأهاحزب البعث من الكورد الفيليين عام1980، هذه الحملة لم تكن مجرد إجراء عقابي، بل كانت سياسة تطهير عرقي هدفها كسر إرادة البارزانيين ومحو هويتهم من الجغرافيا والسياسة العراقية.

 

منطقة بارزان، الواقعة في كوردستان العراق، كانت على مدى عقود رمزا للمقاومة الكوردية ضد الأنظمة الدكتاتورية. ولقربها الجغرافي من معاقل الحركة التحررية الكوردية، خاصة بعد انخراط أبنائها في صفوف البيشمركة وقيادتها للحركة التحررية الكوردية، أصبحت هذه المنطقة محط استهداف مستمر من قبل نظام البعث، الذي رأى في البارزانيين تهديدًا استراتيجيًا لبقائه.

 

في 31 تموز 1983، وبقرار مباشر من أعلى المستويات في النظام العراقي، تم اقتياد 8000 رجل من عشيرة بارزان، معظمهم من الشباب والكهول، دون أي محاكمة أو تهمة، وتم إخفاؤهم قسريًا. لاحقًا، كشفت الأدلة أنهم أُعدموا جماعيًا ودُفنوا في مقابر جماعية في صحراء جنوب العراق، وبعضهم وهم أحياء. ولم يكن بين الضحايا أي مسلح أو مقاتل، بل كانوا مدنيين يعملون في الزراعة أو الرعي، ما يؤكد الطابع الانتقامي والطائفي للقرار.

 

 

لم تكن أبادة البارزانيين مجرد عملية عسكرية، بل كانت بداية لحملة ممنهجة شملت مناطق واسعة من كردستان العراق بين عامي 1987–1988، عُرفت باسم “عمليات الأنفال”، وراح ضحيتها أكثر من 182 ألف كوردي، بين رجل وامرأة وطفل، عبر حملات قصف كيماوي وتهجير قسري وإعدامات جماعية. لكن مأساة البارزانيين تظل لحظة فاصلة، إذ مهدت الطريق لباقي فصول الجينوسايد بحق الكورد.

 

ترك غياب الرجال أثراً عميقاً على البنية الاجتماعية في بارزان. النساء تحولن إلى معيلات في ظل الفقر والعزلة، وحرصن على تربية أطفالهن على قيم الصمود والحفاظ على الهوية الكوردية. ومع قلة الموارد وانعدام الدعم، واجهن ظروفاً قاسية، لكنّ إصرارهن على البقاء ورفضهن الانكسار كان بمثابة رد تاريخي على سياسة الإبادة.

 

في هذا السياق، لعبت مدينة أربيل دورًا إنسانيًا مشهودًا، حيث استقبلت العائلات البارزانية النازحة ووقفت معها في وجه محاولات العزل والإقصاء. وظلت قصص الضيافة والمساعدة محفورة في ذاكرة عوائل البارزانيين لتصبح أربيل رمزًا للوحدة الوطنية الكوردية ومأوىً للناجين من الإبادة.

 

على الرغم من صدور قرار رسمي من المحكمة الجنائية العراقية العليا في عام 2011 يصنّف ما جرى للبارزانيين كجريمة “جينوسايد”، لم تُنفذ الحكومة العراقية الاتحادية حتى اليوم أي برامج لتعويض ذوي الضحايا أو الاعتراف العملي بمعاناتهم. هذا الصمت الرسمي يعد إهانة لذاكرة الضحايا وخيانة لقيم العدالة الانتقالية التي يفترض أن تسير عليها دولة ما بعد 2003.

 

الملفت أن المجتمع الدولي، رغم توفر الأدلة والوثائق والشهادات حول الإبادة، لم يتحرك بما يكفي لمحاكمة المتورطين في هذه الجرائم أو حتى دعم جهود توثيقها وملاحقة مرتكبيها. لقد طغى الصمت على واحدة من أكبر الجرائم في الشرق الأوسط، وسمح للعدالة أن تبقى مؤجلة.

 

إن جريمة إبادة البارزانيين ليست حدثًا من الماضي يُطوى، بل جرحًا مفتوحًا في الضمير الكوردي والعراقي. تجاهلها أو تبريرها أو حتى الصمت عنها، يعني تكرارها بشكل أو بآخر في حق شعوب أخرى. الكرامة والعدالة لا تكون بالبيانات الرسمية، بل بالاعتراف، والمساءلة، وجبر الضرر الحقيقي لذوي الضحايا.

ومن اجل انصاف ضحايا وذوي الشهداء و تحقيق العدالة،على الحكومة الاتحادية اتخاذ الاجراءات التالية و بدون تاخير أو تاجيل:

 

  1. تطبيق فوري لقرارات المحكمة الجنائية العراقية المتعلقة بتعويض ذوي شهداء البارزانيين، وإنشاء صندوق خاص لدعمهم.
  2. فتح المقابر الجماعية والتعامل معها كمواقع جرائم دولية، بالتعاون مع منظمات حقوق الإنسان الدولية.
  3. إدراج جريمة جينوسايد البارزانيين في المناهج الدراسية العراقية لتوعية الأجيال القادمة بتاريخ الانتهاكات.
  4. تدويل القضية عبر رفع ملفات الجينوسايد إلى المحاكم الدولية المختصة.
  5. إحياء الذكرى سنويًا بفعالية رسمية وشعبية تعكس تقدير الدولة لضحاياها، وتعزز ثقافة المصالحة المبنية على العدالة.

 

ما جرى في بارزان كان اختبارًا قاسيًا لإنسانية الدولة العراقية، وما لم يتم تصحيحه والاعتراف به بوضوح، سيظل شاهدًا على أن الجراح لم تندمل، والعدالة ما زالت غائبة.

قد يعجبك ايضا