التسامح والتعايش السلمي ..

نوري جاسم ..

في عمق الروح البشرية، هناك نداء خفي ينادي إلى السلام، إلى الصفح، إلى اللقاء في منتصف الطريق بين الضدية والتكامل. ذلك النداء هو نداء التسامح، وهو الجسر الأول نحو التعايش السلمي، ذلك الحلم الذي كلما اقتربنا منه شعرنا بإنسانيتنا تتجلى وتسمو، والتسامح ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو حالة روحية، وقرار أخلاقي ينبع من صفاء النفس، ويتجلى في قبول الآخر كما هو، دون شروط، ودون أحكام مسبقة، وهو أن ترى في الآخر مرآة لذاتك، أن تعترف بحق الاختلاف كما تعترف بحق الحياة. قال تعالى في محكم كتابه الكريم
“ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” [فصلت: 34] فيها دعوة عظيمة إلى أن نواجه الشر بالخير، وأن نرتقي بأنفسنا إلى مقام الصفح واللين والمودة، وإن الأنبياء والأولياء والمفكرين، عبر مسيرتهم الطويلة في هداية البشرية، لم يكن سلاحهم العنف ولا الجبر، بل كان سلاحهم هو الرحمة والتسامح. قال النبي سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، وقال أيضًا “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وهو يخاطب من آذوه وأخرجوه، بعد أن مكنه الله منهم، لكنه اختار أن يعفو، لأن رسالته كانت سلامًا من السماء إلى الأرض، والتصوف الحقيقي لا يُبنى على التزمت ولا على الإقصاء، بل على إشاعة المحبة، ورؤية النور الإلهي في كل مخلوق. فالمتصوف الحقيقي يرى الخلق جميعًا عيال الله، كما ورد في الحديث الشريف
“الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله” لذلك فإن المتصوف الصادق لا يؤمن بالحدود النفسية بين البشر، بل يؤمن بوحدة القلب والوجدان، ويؤمن أن السلام هو أصل الوجود، والتعايش السلمي هو ثمرة من ثمار التسامح، وهو ليس استسلامًا ولا تذويبًا للهوية، بل هو شراكة إنسانية تقوم على الاحترام المتبادل، وفي عالمنا الذي امتلأ بالصراعات والحروب الطائفية والعرقية، أصبح التعايش ضرورة لا رفاهية، لقد قال الإمام علي عليه السلام “الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”، وهذه العبارة تختصر فلسفة التعايش في أن الأصل في البشر هو التساوي في الإنسانية، مهما اختلفت الأديان أو المذاهب أو الثقافات، ولعلنا في هذه اللحظة من التاريخ، بحاجة إلى ثورة روحية تنشر الحب والسلام في كل مكان في العالم، بحاجة إلى أن نخلع أثواب الكراهية التي أرهقتنا، وأن نعود إلى بساطة الفطرة، حيث القلب الطيب لا يحمل إلا النور، والتسامح لا يضعف من كرامتنا، بل يعليها، ولا ينقص من مكانتنا، بل يزيدها رفعة، وليكن لنا في الأنقياء من أهل الله قدوة، الذين إذا أوذوا صبروا، وإذا ظُلموا غفروا، وإذا خُيّروا بين الانتقام والمغفرة اختاروا المحبة، وهكذا ترتقي الأمم ببناء الإنسان وزرع الرحمة في قلبه، وتربية البشر على العفو ونشر القيم الأخلاقية والروحية الإنسانية، أيها الإنسان سامح… لأنك أنت المستفيد الأول من هذا النور….
تعايش… لأنك حين ترفض الآخر، فإنك تسجن نفسك في قوقعة الخوف والجهل، وكن كالشمس تضيء للجميع، لا تفرق بين قلب وقلب، ولا بين لون ولون…
التسامح والتعايش ليسا حلمًا بعيدًا، بل هما الواقع الممكن متى ما وُجدت الإرادة، ونطق القلب بصدق المحبة.

اللهم اجعلنا من الذين إذا أُسيء إليهم غفروا، وإذا قُطعوا وصلوا، وإذا أُبعدوا اقتربوا، واجعلنا سُفراء سلام، وأوتادًا للمحبة في أرضك يا أرحم الراحمين…
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا