رانية مرجية
نحيا… أو نتظاهر بالحياة، نلبسُ أقنعةَ النور، ونخفي خلفها وجوهًا مُتعبة وأرواحًا مثقوبة من فرطِ التلوّن. في هذا الزمنِ المقلوب، صارت الحقيقةُ خائفة، تتسلل كالمجرم من الأزقّة، بينما الكذبُ يعتلي المنصات، يلقي الخُطب ويلوّحُ برايات النصر. العارُ لم يعُد عارًا، بل صار خبرًا عاديًا، يُزيَّن بعناوينَ عريضة، و”إعجاب” متصاعد. نتحدث عن القيم، ونبيعها عند أول منعطف، نُغني للوطن، ونخونه في الصمت، نُبجّل الحرية، ونصفّق للسجّان إن فتح النافذة قليلًا. نُقسم باسم الله، ونكسر اليمين بعد دقيقة، نكتب الشعر عن النقاء، ونغسل أيادينا من الدم بالحبر. في زمن العار… تصبح الكلمة جريمة، ويغدو الصمتُ فضيلة، ويصبح الانحناء سلّمًا نصعده فوق جثث الحلم. النفاق؟ لم يعد مُخجلاً، بل صار مهارةً مطلوبة، يتزين بالبدلات الأنيقة، ويُلقي المحاضرات عن الأخلاق. نحن أحياء، نعم، لكن في صدورنا مقابر، نتنفس… لكن الهواء ملوّث بالأكاذيب، نحبّ… لكن حبًّا موسميًا، قابلًا للتفاوض. ورغم كل شيء… أبحث عن عينٍ لا تزوّر دمعها، عن قلبٍ لا يتقن التمثيل، عن بشرٍ لا يضعون الكمامات إلا حين المرض، لا حين الكلام. أبحث عن حياة… تُعاش لا تُتقمص، تُقال لا تُزيّف، تُعانق لا تُصَفَّق لها فقط. في زمن العار والنفاق، صارت الصدقُ صرخة، وصار العيش بكرامة… أعظم أشكال المقاومة.