البارزانيين، الإبادة والعزيمة

ھەڵات لاز

لم يقتصر الظلم الذي مورس بحق شعب كوردستان في العراق على إهمال حقوقهم القومية وتهميش وجودهم السياسي والثقافي، بل تجاوز ذلك إلى تنفيذ برامج وسياسات ممنهجة تهدف إلى صهر هويتهم، وإبادتهم ديموغرافياً وثقافياً. فعلى مدى مئة عام، تعرضت كوردستان إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات، بدءاً من الترحيل القسري، ومروراً بسياسات التعريب، وصولاً إلى حملات الإبادة الجماعية.

من أبرز تلك السياسات كانت عمليات التهجير الجماعي التي بدأت قبل تأسيس الدولة العراقية، عندما قام مدحت باشا، والي بغداد، بإسكان عشائر عربية في مناطق كوردية مثل سهول مندلي، وبلدروز، وقرة تبه، وكفري، ودوز، والحويجة، وقراج، وجنوب مخمور، وسهل نينوى، وسنجار. بعد ثورة 14 تموز 1958، وخصوصاً خلال حكم حزب البعث، تسارعت وتيرة التعريب، لتشمل مناطق حدودية مع سوريا مثل سنجار وزمار، حيث تعرضت 42% من أراضي كوردستان لحملات ترحيل منظمة، تم فيها اقتلاع السكان من أراضي أجدادهم بالقوة.

أكبر هذه الحملات كانت في تشرين الثاني 1975، عندما نُفّذت حملة تهجير واسعة ضد قرى منطقة بارزان. فقد رُحّل سكانها قسراً إلى مجمعات سكنية في جنوب العراق، بعيداً عن أرضهم وهويتهم، دون أي ذنب أو مبرر.وإذا كان الترحيل جريمة، فإن ما تلاه من إخفاء قسري وحملات أنفال وإبادة جماعية يُعد من أسوأ الفصول في التاريخ الحديث. ففي 31 تموز 1983، داهمت قوات النظام البعثي المجمعات السكنية في قوشتبه، وحرير، وبحركة، وديانا، واعتقلت أكثر من 8000 رجل من عوائل البارزانيين، ليتم لاحقاً تصفيتهم جماعياً. وبعد عشرين عاماً، وبعد سقوط النظام، تم العثور على بعض من رفاتهم في مقابر جماعية في صحاري الجنوب.

هذا بالإضافة إلى ما تعرض له الكورد الفيليون من قتل وتشريد وإبعاد واسقاط المئات من جناسيهم العراقية لاسباب سياسية وعنصرية ، ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.

لم تنتهِ المعاناة عند هذا الحد، فمع دخول تنظيم داعش الإرهابي إلى الأراضي الكوردية، ارتُكبت جرائم بشعة بحق الكورد الإيزيديين. إذ تعرّض أبناء هذا المكون الأصيل إلى حملات إبادة وسبي لم تشهد لها المنطقة مثيلاً في العصر الحديث. ومع كل هذه المآسي، وقفت كوردستان شامخة، ودافعت ببسالة في الحرب ضد الإرهاب، حيث استشهد نحو 800 من البيشمركة، بينهم 300 ضابط وضابط صف، وأصيب أكثر من أربعة آلاف آخرين، حسب ما أعلنه الرئيس مسعود بارزاني في 2 أب 2015.رغم هذه التضحيات، لم تتخلَّ كوردستان عن دورها الإنساني، فاحتضنت مئات الآلاف من النازحين واللاجئين من مختلف المكونات، ووفّرت لهم الأمان والكرامة.

إن كل ما ذُكر من جرائم وانتهاكات لم يُضعف إرادة الشعب الكوردي، بل زاده إصراراً على المطالبة بحقه في الحياة الكريمة، والعيش بحرية على أرضه. أثبت الكورد في كوردستان أنهم شعب لا يُكسر، وأن نضالهم المستمر من أجل السلام والعدالة هو ما يجعلهم اليوم نموذجاً في الصمود، والتعايش، والتمسك بالحق.

وفي قلب هذه المسيرة، برز دور فاعل لرئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، الذي سعى وما يزال إلى توحيد الصفوف، وترسيخ مكانة كوردستان في الداخل والخارج من خلال نهج دبلوماسي متزن، يدافع عن الحقوق المشروعة لشعبه بالحوار والبصيرة. لقد لعب دوراً محورياً في تعزيز التعايش، وإيصال صوت كوردستان إلى المحافل الدولية، والعمل على ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي في الإقليم، بما يضمن مستقبلاً أكثر عدلاً وكرامةً للأجيال القادمة.بهذه الروح، تمضي كوردستان قدماً بثقة، حاملةً إرثاً من التضحيات، وطموحاً لا يُقهر لبناء وطن يليق بشعبها.

قد يعجبك ايضا