الكورد يرفضون بيع الوطن: حكومة الإقليم تصون السيادة حين تُفرَّط من الداخل

هيام حاجي – باحثة سياسية في شؤون العراق وكوردستان

ما جرى في ملف خور عبد الله لا يمكن اعتباره مجرد تفاهم فني بين دولتين، بل شكّل صدمة سيادية كشفت حجم التآكل في مفاصل القرار الوطني، وأظهر أن مبدأ الشراكة الذي تأسس عليه الدستور بعد عام 2005 قد بات عرضة للخرق والإقصاء. فقد نصّت المادة الأولى من الدستور على أن “جمهورية العراق دولةٌ اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة”، وحدّدت المادة (116) أن النظام الاتحادي يتكون من “عاصمة، وأقاليم، ومحافظات لا مركزية، وإدارات محلية”. ومع ذلك، تم تمرير اتفاقية تمس السيادة من دون مناقشة برلمانية، ولا توافق وطني، ولا مشاركة فعلية من شركاء الوطن.

في لحظة هذا الصمت الاتحادي، ارتفع صوت الشارع الكوردي، لا من منطلق قومي، بل من موقعه كشريك دستوري مؤسّس. الكورد لم يلتزموا بالدستور من باب التكتيك، بل من إيمان حقيقي بأن الاتحاد لا يعني الهيمنة، وأن وحدة العراق لا تُبنى بالإقصاء، بل بالتوازن. ومن هذا المنطلق، جاء رفضهم الصريح لأي تنازل عن الأراضي أو السيادة، لأن السيادة لا تتجزأ، والشراكة لا تُفصّل على مقاس طرف واحد.

ورغم الحصار المالي، والاستهداف السياسي، والمناكفات المتكررة، أثبتت حكومة إقليم كوردستان أنها أكثر حرصًا على الدولة من بعض من يُمسكون بمفاصلها. فقد واجه الإقليم الضغوط الداخلية والخارجية بموقف ثابت لم يتغيّر: لا مساومة على الأرض، لا تفريط بالحدود، ولا خروج عن إطار الدولة. لقد تصرّفت حكومة الإقليم، وعلى رأسها رئيس الوزراء، كسلطة راشدة تُدير أزماتها بحكمة، وتحمي كيانها دون أن تُهدد وحدة العراق.

ما حدث في ملف خور عبد الله سلّط الضوء على مفارقة صارخة: الإقليم الذي يُتّهم ظلماً بتجاوز الدستور، هو من تمسك به واحتمى به، في حين أن المركز الذي يرفع راية السيادة هو من فرّط بها عمليًا. وبينما يُقيّد الإقليم بمبررات قانونية في موارده وإدارته، تُمرر اتفاقيات استراتيجية من فوق المؤسسات الدستورية، وكأن الأمر لا يعني أحدًا سوى المركز.

الشارع الكوردي لا يحتج على قرار حدودي فحسب، بل يطرح سؤالًا سياديًا جوهريًا: كيف يُحرم طرف من صلاحياته الدستورية، بينما يُتّخذ قرار يمسّ أرض العراق دون أن يُستشار؟ ولماذا يُفعّل الدستور على الإقليم فقط حين يكون الحديث عن الالتزام، بينما يُعلّق تمامًا حين يتطلب مشاركة فعلية في القرار؟ وإذا كانت السيادة تُباع باسم التهدئة، وتُدار ملفات الدولة بدون شركائها، فما الذي تبقّى من روح الدستور ومن وحدة الوطن؟.

رغم كل ذلك، لم ينسحب الكورد من الدولة، بل بقوا أوفياء للدستور، متمسكين بإصلاح المسار من الداخل، لأنهم يرون أن الشراكة لا تُمنح بقرار فوقي، بل تُبنى بالتفاهم، وتُصان بالثقة. لقد كانت كوردستان، في هذه اللحظة التاريخية، صوتًا عاقلاً لا متشنجًا، موقفًا وطنيًا لا دعائيًا، وسندًا للدولة لا عبئًا عليها.

وسيسجل التاريخ أن أربيل لم تفرّط، حين ارتبكت بغداد. وأن حكومة الإقليم تمسّكت بالدستور، حين تجاوزه المركز. ومن يحمي الأرض في زمن التنازلات، لا يُحاسب… بل يُعوَّل عليه في زمن الأزمات.

قد يعجبك ايضا