نوري جاسم
موجة الحر في العراق ليست مجرد طقس قاسٍ أو تقلب موسمي عابر، بل هي مرآة تعكس عمق التراجع في القدرة على المواجهة، وضعف البنية التحتية، وغياب التخطيط الطويل الأمد، إذ تمر البلاد بسلسلة من الأيام اللاهبة التي تجاوزت فيها درجات الحرارة الخمسين مئوية، وفي ظل غياب شبه كامل للحلول الواقعية أو الاستعدادات الاستباقية، وبقاء المواطن العراقي في مواجهة مباشرة مع الطبيعة الحارقة، والكهرباء المنهارة، والماء الشحيح، فيما الحكومة تبدو وكأنها تراقب من خلف زجاج بارد لا يتأثر بحرارة الشوارع المشتعلة، ولا بصوت المولدات التي تئن في كل زقاق، جاءت هذه الموجة، التي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لتكشف هشاشة أنظمتنا وتهاوننا في قراءة الكوارث المناخية، واستهانتنا بالإنذار الكوني الكبير الذي بات يتكرر كل صيف بأشكال أكثر قسوة وأشد إيلامًا، وفي الوقت ذاته، هناك من يقلل من حجم الأزمة، أو يصفها بأنها جزء من طبيعة العراق الصحراوية، وكأننا لا نعيش على أرض الواقع، ولا نرى ارتفاع معدلات الأمراض والإغماء، وانهيار أعمدة الكهرباء، وتلف المحاصيل، ونفوق المواشي، بل ويتجاوز البعض ذلك إلى تبرير العجز الحكومي باعتباره أمرًا اعتياديًا. وهذا “الرأي الآخر” لا يخلو من سذاجة خطرة تؤخر الحلول، وتعزز ثقافة الإنكار والتكاسل، بينما المواطن يواجه لهيب الشمس بلا ظل، ولا ماء، ولا كهرباء، غير أن في قلب الأزمة إشارات أمل بدأت تظهر من خلال حملات توعية بسيطة، ومبادرات شبابية لتوزيع الماء، وتوفير أماكن تظليل في الشوارع، وبعض الإجراءات المحدودة من قبل دوائر الصحة والدفاع المدني. لكنها لا تكفي، ولا ترقى لمستوى التحدي الحقيقي، فالعراق اليوم يحتاج إلى ثورة بيئية شاملة، تضع المناخ في قلب السياسات الحكومية، وتتبنى مشروعًا وطنيًا لإنقاذ البلاد من أزمات الصيف المتكررة، من خلال زيادة المساحات الخضراء في كل مكان في العراق، وخاصة الحزام الأخضر حول المدن، وفي المناطق الصحراوية، وزراعة ملايين من الأشجار، وتحسين منظومات الطاقة والماء، وتطوير المدن لتكون أكثر مرونة أمام التغيرات المناخية، واستثمار الطاقة الشمسية، وتعديل ساعات العمل ومواعيد الدراسة، وإنشاء ملاجئ مبردة للمواطنين، وبالخصوص للمسنين والمرضى والأطفال، كما أن على الإعلام أن يتحمل مسؤوليته في نشر ثقافة التكيّف، والتوعية بخطر التعرّض الطويل لأشعة الشمس، وربط ذلك بتحذيرات علمية موثوقة، لا بخطاب التهوين والتخدير، وإن العراق أمام لحظة مفصلية، إما أن ينهض لمواجهة هذه الظواهر بالعلم، والخطة، والإرادة، أو يبقى يدور في دوامة التصريحات الرتيبة التي لا تقي حرًّا ولا تبني ظلًّا، فالخطر واضح، والحل ممكن، والمسؤولية جماعية، ولن يجدي أن نلوم الطقس أو نلعن القدر ما لم نغيّر في أنفسنا، ونعدّ للمستقبل عدّته، ونواجه لهيب الصيف برؤية باردة العقل، دافئة القلب، قوية الفعل، مطمئنة بالله الواحد الأحد الذي بيده الظل والبرد والسلام…
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ..