د. ابراهيم احمد سمو
رسالة مفتوحة إلى السيد وكيل وزارة التعليم العالي في العراق
نتمنى أن تكون هفوة… لا أمراً مُدبَّراً، فنحن يقظون
لا يمكن اعتبار قرار وزارة التعليم العالي في العراق مجرد خطوة عابرة، حتى لو بدا أنه سيمر بسلام؛ فالتجربة علمتنا أن القرارات التي تُطرح اليوم قد يتبعها غدًا ما هو أشد وقعًا. قرار وكيل وزير التعليم العالي الأخير جاء وكأنه صدمة متعمدة للشارع الكوردستاني، وصار مثار جدل و اتفق الشعب والحكومة معًا. منذ الصباح وأنا أفسّر ما حدث، فلا أجد سوى احتمالين لا ثالث لهما: إمّا أن الهدف خلق فوضى جديدة تشغل الناس عن قضايا أكثر جوهرية، أو أنّ الأمر محاولة مدروسة لاستفزازنا ودفعنا نحو رد فعل غير محسوب.
لقد عاش شعب كوردستان في الأشهر الماضية ضغوطًا هائلة بسبب ملف الرواتب، وكأن هناك من يتقن سياسة “تبديل الأوجاع”: كلّما خفت ثقل أزمة، جاءوا بأخرى ليفتحوا جرحًا جديدًا. واليوم، اختاروا جرحًا أشد عمقًا؛ لأنهم اقتربوا من لغة هذا الشعب وثقافته. وهنا أقولها بوضوح: اللغة بالنسبة لنا خط أحمر.
لسنا من هواة التصعيد الأعمى، وندرك أهمية التعامل مع الأحداث بحكمة وعقلانية. لكنّ كل صبر له حدود، وكل شعب له ثوابته. عندما يصل الأمر إلى نزف الثقافة عبر ضرب عنصر محوري كاللغة، فهنا يتحوّل الغضب إلى موقف جامع.
نحن – ككتّاب وأدباء – لسنا متفرجين. ما نكتبه ليس ترفًا فكريًا، بل رسائل تنطلق من مسؤولية، لعلها تجد طريقها إلى صانع القرار. قرار كهذا، وأنا أعمل في ميدان اللغة والتعليم، أعتبره مجحفًا للغاية. لولا موجة الانتقادات والاعتراضات التي هبّت منذ لحظة الإعلان عنه، لربما كان مفعوله أشد وأعمق. لكنّ الأصوات الكوردية – كلّ من موقعه – لعبت دورًا مهمًا في الدفاع عن اللغة الأم، وفي إحباط مخطط بدا وكأنه يُدبَّر بخبث من وراء الستار.
إذا كانت السياسة قد فرّقتنا أحيانًا، فإن أي محاولة للمساس باللغة والثقافة الكوردية ستوحدنا حتمًا. اللغة ليست مادة تعليمية عادية؛ إنها هوية، وإن انطلقت الأصوات دفاعًا عنها، فهي ستنطلق باسم الكورد أجمعين.
من المؤسف أن نرى في هذا الزمن – حيث تعترف معظم الدول بحقوق الكورد ولغتهم – صدور قرارات مثيرة للريبة من جزء عربي من العراق يدرك جيدًا كيف تأسست الدولة العراقية الحديثة، وكيف رُسم الدستور بدماء وتضحيات، وكيف كُتبت فيه الفيدرالية كحق لا كمنّة. فهل نُجازى اليوم بتقليص مكانة لغتنا؟
إنّ هذا القرار – وأي قرار مشابه – لن يهزّنا أو يخيفنا. على العكس، هو يدفعنا إلى التكاتف أكثر من أي وقت مضى. لكنه يحمل في طياته تحذيرًا صريحًا: لا تدفعوا خطواتكم أبعد؛ فكل خطوة خاطئة في هذا الاتجاه ستقود إلى ندم عاجل أو آجل.
القضية ليست مزحة، وليست تفصيلًا إداريًا؛ إنها مسألة وجودية. اللغة الكوردية ليست مجرد حروف تُدرَّس، بل وعاء لذاكرة أمة. وكلما حاول أحدهم العبث بها، زاد تمسكنا بها، وزاد وعينا بضرورة حمايتها.
لذلك أقول بوضوح: اتركونا كما نحن إخوة، نحترم ونُحترم. لقد ضحّى الشعب الكوردي كثيرًا، وتنازل عن الكثير من أجل الاستقرار وحماية الجميع – كوردًا وعربًا – من مآسٍ جديدة. لكننا لن نتنازل عن جوهرنا: لغتنا وثقافتنا وهويتنا. فليكن هذا واضحًا لكل من يحاول اختبار حدود الصبر الكوردي