دلشاد محمد*
منذ ما يقارب الثمانين يوماً، يعيش ملايين المواطنين في إقليم كوردستان العراق حالة حصار اقتصادي صامت، بعدما انقطعت عنهم رواتبهم التي هي مصدر رزقهم الوحيد. لا بسبب زلزال، ولا حرب، ولا كارثة طبيعية، بل بسبب سياسات ممنهجة وظالمة تُمارس تحت غطاء الخلافات السياسية والدستورية. ولكن الحقيقة المؤلمة التي لا يمكن تزيينها بالكلمات:
إن تجويع الناس بهذا الشكل المتعمد هو جريمة، بل جريمة ترتقي إلى مستوى الإبادة الجماعية البطيئة.
الإبادة ليست فقط سفك دم بالسيف، بل هي كل فعل ممنهج يستهدف الوجود الإنساني لشعب من الشعوب.
وعندما يُحرم الناس من الرواتب، من العلاج، من الغذاء، من الأمن النفسي، من حق الحياة الكريمة، فقط لأنهم ينتمون إلى إقليم معين، فهذه سياسة تجويع متعمدة لا تختلف في معناها عن الحصار القاتل.
أي منطق، وأي دستور، وأي ضمير يقبل أن يبقى الموظف بلا راتب لشهر، فكيف إذا تجاوزت المدة شهرين؟
أي دولة تحترم نفسها لا تُعاقب جزءًا من شعبها بالجوع؟
هل كوردستان ليست جزءًا من العراق؟
ألم يكن خيرات كوردستان وقودًا للعراق في سنوات الجفاف والعقوبات؟
ألم يدفع هذا الشعب الدم في الحروب التي خاضها العراق وهو لا يملك حتى حق قراره؟
اليوم، يجلس الآلاف من الآباء في بيوتهم عاجزين عن شراء رغيف الخبز، تُطوى دفاتر المدارس لأن العائلة لا تستطيع دفع أجور النقل أو الأقساط، تُؤجل العمليات الجراحية لأن المرضى لا يملكون ثمن العلاج، وتُطفأ الكهرباء في البيوت لأن فاتورة بسيطة باتت عبئًا.
فهل هذه حياة؟!
وهل السكوت على هذا الوضع يُعد حيادًا أم تواطؤًا؟!
ما يجري في كوردستان ليس مجرد أزمة مالية…
إنه عقاب جماعي، وتصفية سياسية بغطاء اقتصادي، وغضّ الطرف من قبل الحكومة الاتحادية عن معاناة شعب بأكمله.
والمؤسف أن كل الأطراف المعنية تعلم، وتصمت.
تصمت بغداد، ويصمت بعض الأطراف الكوردية التي تبحث عن مكاسب حزبية بدلًا من إنقاذ الناس، ويصمت المجتمع الدولي، وكأننا لا نُحتسب من الشعوب التي لها حق في العيش بكرامة.
لكن التاريخ لا يرحم.
والشعوب التي تُجوّع عن عمد، لا تنسى.
فكل طفل نام جائعًا، وكل أم بكت لعجزها، وكل شاب ضاعت حياته في انتظار راتب، هو شاهد حيّ على جريمة تُرتكب علنًا، وعلى يد من يُفترض أنهم شركاء في الوطن.
نداؤنا اليوم لا يحمل لغة المجاملة:
ارفعوا أيديكم عن أقوات الناس،
فإن تجويع الشعوب هو أقصر طريق إلى الفوضى والانهيار،
وإن الصبر الذي يصنعه الكورد من كرامتهم، ليس صبرًا على الذل، بل صبر على الظلم حتى تُفتح أبواب الخلاص.
كفى صمتًا.
كفى تسييسًا للقوت.
كفى تحويل كوردستان إلى رهينة في لعبة المصالح.
إنها ليست مجرد أزمة رواتب.
إنها قضية كرامة، ومسألة وجود، وملف إنساني وأخلاقي وأممي يجب أن يُفتح أمام كل الضمائر الحية.
*امام وخطيب