أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
رغم الخطابات الرسمية المتكررة التي تتحدث عن وحدة العراق، وشراكته الوطنية، واحترام الدستور، فإن ما يجري على الأرض، خاصة في العلاقة بين بغداد وإقليم كوردستان، يشي بعكس ذلك تمامًا.
فالسياسات المتبعة من قبل الحكومة الاتحادية لا تزال تقوم على نهج ممنهج من التهميش المالي والسياسي ضد الإقليم، وكأن هناك إرادة خفية تريد محو خصوصيته القانونية والدستورية، وتحجيم دوره داخل الدولة.
إن استمرار سياسة التهميش والابتزاز المالي ضد إقليم كوردستان، لن يؤدي إلى استقرار العراق، بل إلى تعميق الانقسام الوطني، وخلق بيئة خصبة لانعدام الثقة بين المكونات. وحده خيار التعاون العادل، والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، يمكن أن يُعيد التوازن الحقيقي بين بغداد والإقليم.
لم تعد الرواتب ملفًا ماليًا بحتًا، بل تحوّلت إلى أداة ضغط سياسي تمارسها بغداد كلما أرادت فرض أجندتها على الإقليم. فموظفو الإقليم يُعاملون وكأنهم ليسوا جزءًا من المنظومة العراقية، وتُفرض عليهم شروط لا تُفرض على أي محافظة أخرى، بما يُظهر تمييزًا مؤسساتيًا خطيرًا.
ولا يتوقف الأمر عند الرواتب، بل يمتد إلى ملف النفط والموارد الطبيعية، حيث تمارس الحكومة الاتحادية سياسة التجفيف المالي، وتعطيل العقود النفطية، والضغط الدولي، من أجل إحكام السيطرة على مقدّرات الإقليم.
تتحدث الدولة عن الفيدرالية كشكل إداري، لكنها في الواقع تسعى إلى فرض المركزية كأيديولوجيا سياسية. وهذا التناقض يُنتج خللًا دائمًا في الثقة بين الطرفين. فكيف يمكن الحديث عن وحدة الدولة بينما تُنكر الحقوق المالية والدستورية لطرف أساسي فيها؟
وإذا كانت كوردستان قد وافقت على البقاء ضمن العراق الفيدرالي بعد 2003، فإن ذلك لم يكن تنازلًا، بل خيارًا قائمًا على مبدأ الشراكة الحقيقية، لا على الخضوع القسري لسلطة تمييزية.
العراق اليوم يواجه موجات متعددة من عدم الاستقرار: من الميليشيات المنفلتة، إلى تآكل الثقة بالمؤسسات، إلى ازدياد مظاهر الاحتجاج. وفي كل هذه الأزمات، لم يكن الإقليم يومًا سببًا لها، بل غالبًا ما كان ضحيةً أو ملاذًا آمنًا للآخرين.
لكن مع ذلك، يُحمّل الإقليم كل أوزار الفشل السياسي العراقي، وتُمارس بحقه سياسات عقابية جماعية، تحت ذرائع الوحدة الوطنية، في حين أن أصل الوحدة يبدأ من احترام التعدد، لا إلغائه.
لا يمكن بناء دولة فيدرالية حقيقية بمنطق الإملاءات، ولا تُبنى الثقة عبر التهميش، ولا يتحقق الاستقرار عبر الخنق الاقتصادي.
إن المطلوب اليوم، ليس أكثر من احترام الدستور كما هو، وتنفيذ بنوده بعدالة، والاعتراف بالإقليم كشريك دستوري كامل، وليس كخصم سياسي مرحلي.
إن ما يجري اليوم من تهميش مالي وقانوني للإقليم، لا يُضعف أربيل فقط، بل يُضعف العراق كلّه، لأنه يؤسس لانهيار الثقة بين مكوناته، ويحوّل مفهوم الدولة إلى جهاز يدار بالعقوبة بدل العدالة.
المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى قرارات مسؤولة. وعلى الحكومة الاتحادية أن تدرك أن الإنصاف لا يُضعف الدولة، بل يُقوّيها، وأن كوردستان ليست عبئًا، بل فرصة حقيقية لبناء نموذج تنموي اتحادي ناجح، إذا ما أُعطيت حقوقها.
ففي دولة متعددة المكونات، لا يكون الخيار إلا الشراكة أو التصدّع.