بين تأخّر الرواتب وتقدّم الضمير: موقف إنساني من إقليم كوردستان في فاجعة الكوت

شَمال آكرَيي

في الوقت الذي ما يزال فيه موظفو إقليم كوردستان، والكوادر الصحية من ضمنهم، ينتظرون صرف رواتبهم المتأخرة منذ نحو ثلاثة أشهر، يبرز موقف إنساني مؤثر يستحق التوقف والإشادة، حين بادر السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة الإقليم، رغم هذه الظروف، بإعلان استعداد مستشفيات الأقليم لاستقبال جرحى حادثة مول الكوت ومعالجتهم على نفقتها، مؤكدين بذلك أن القيم والضمير الوطني لا تُعطّلها الأزمات ولا تُبدّدها الخلافات.

تأخّر الرواتب لا يمكن النظر إليه كحدث إداري عابر، بل هو نتيجة لتعقيدات سياسية مركزية باتت تتكرر في السنوات الأخيرة، رغم أن رواتب الموظفين، حسب الدستور العراقي وقرارات المحكمة الاتحادية العليا، يجب ألا تكون أداة سياسية أو تُربط بالخلافات بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية. الراتب حق فردي للمواطن، وضمان لاستقراره الاجتماعي والمعيشي، ولا يليق بدولة تسعى لبناء العدالة والتنمية أن تُعلّق هذا الحق على تفاهمات سياسية قد تطول أو تتعثر.

لكن الموقف الذي يلفت الانتباه أكثر من تأخّر المستحقات ، هو الموقف الإنساني الذي عبّر عنه رئيس حكومة الإقليم، حيث أبدى استعدادا كاملا لمعالجة مصابي حريق مول الكوت في مستشفيات الإقليم، وعلى نفقة وزارة الصحة في أربيل، رغم أن الأطباء والممرضين هناك لم يتسلّموا رواتبهم منذ مايقارب الثلاثة أشهر. فأن يقدم الطبيب والكادر الصحي خدماتهم رغم معاناتهم، وأن تفتح المؤسسات أبوابها لإخوانهم من باقي المحافظات في وقتٍ تشحّ فيه الموارد، فذلك ليس إلا تجسيدا حقيقيا لقيم المواطنة والأخلاق المهنية العليا.

وفي ظل هذا المشهد الإنساني، تطرح الأسئلة نفسها: لماذا هذه العرقلة تجاه تأخّر الرواتب؟ ولماذا لا تتحرّك الحكومة الاتحادية بحزم لضمان انتظام صرفها كما هو منصوص عليه قانونا؟ وهل هناك من يرى في تأخير الرواتب وسيلة للضغط أو المساومة؟ ثم، ما هو موقف الدولة من الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على منشآت نفطية داخل أراضي الإقليم؟ أليس من الواجب حماية جميع مواطني الدولة ومنشآتها دون تمييز؟

الرسالة التي قدّمتها حكومة كوردستان اليوم بصمتهم وعملهم، هي أقوى من كثير من البيانات السياسية. إنها تذكير بأن هذا البلد، رغم جراحه وخلافاته، ما زال حيّا بنبض أبنائه المخلصين، الذين يتقدّمون الصفوف عند الحاجة، ويضعون القيم الإنسانية فوق كل اعتبار.

فليكن هذا الموقف محطة لإعادة التفكير في طريقة إدارة العلاقة بين بغداد واربيل، على أساس من العدالة الدستورية، لا المقايضة. ولنتذكّر أن الدولة التي تحترم جميع مواطنيها، هي وحدها القادرة على تجاوز أزماتها وبناء مستقبلها.

قد يعجبك ايضا