الطاولة تغيّرت

مونودراما من فصل واحد
د. ابراهيم احمد سمو
الشخصية الوحيدة: رجل خمسيني – ملامحه متعبة، يجلس في غرفة شبه فارغة، أمام طاولة قديمة تتوسط الخشبة. على الجدران صور قديمة باهتة. ضوء خافت يسلط على وجهه فقط، ينهض ثم يتحدث إلى الجمهور مباشرة.
الرجل (بصوت هادئ):
لم أختر أن أولد.
(صمت)
ولم أسأل، يومًا، أن أكون ابن هذا الرجل، ولا تلك المرأة الطيبة التي كانت تبتسم كلما مرّ طيف الحزن في البيت. جئت هكذا… كأنني سقطت من سحابة نسيها الرب فوق قرية صغيرة في جنوب إفريقيا.
(يقترب من الطاولة، يلمسها)
كنّا نجتمع حول طاولة مثل هذه… ليست فاخرة، ولا مستقيمة. خشبها يئن من العُمر، مثلنا تمامًا. لكنها كانت تُشبهنا… مُهترئة، لكنها لا تزال واقفة. واليوم؟
(يضحك بسخرية)
الطاولة تغيّرت.
وكلّ من كان حولها… اختفى.
(يتجول ببطء في الغرفة)
كأن الحياة اختارت لكلٍّ منّا طريقًا دون أن تستشير أحدًا. قالوا لنا: “امضوا”، ومضينا. لم نسأل إلى أين، ولا لماذا. كان يكفي أن الجميع يسير… فسرنا.
(ينظر إلى الجمهور)
كانوا يقولون إن الزمن يشفي، وإن الفراق قوسُ قزح ينتهي باللقاء… كذبوا.
الفراق لا ينتهي، والزمن لا يشفي، واللقاء؟
مجرد كذبة نعلّقها على الحائط كي لا نجنّ.
(يجلس)
لم أكن غاضبًا، صدقوني، فقط كنت أبحث عن وجه يشبهني. عن جملة قديمة، عن صوت أعرفه.
عن ضحكة تسقط من فم أخي دون تفكير.
عن أمي… حين كانت تضع يدها على رأسي، وتقول: “كل شيء سيكون بخير يا صغيري”.
(ينظر إلى الطاولة)
الطاولة تغيّرت.
لم تعُد لنا، لم تعُد تعرف أسماءنا. صارت غريبة… مثلنا تمامًا.
الوجوه التي كانت تملأها… هاجرت.
بعضها مات، وبعضها نسي، وبعضها اختار ألا يعود.
(ينهض واقفًا)
حين كنت في الثلاثين، كتبت رسالة… رسالة طويلة لصديقي الذي لم يعد يردّ. كتبت فيها أنني أفتقده، أنني أحتاج كلمة، ضحكة، أي شيء. لكنني لم أرسلها. خفت… نعم، خفت من الرفض، من أن تكون الطاولة لم تعد تهمّه. والآن؟
أين هو؟ لا أعلم.
ولا هو يعلم أنني كنت أنتظر رسالة واحدة… فقط واحدة.
(ينظر في الفراغ)
لم نخطئ… نحن فقط صمتنا كثيرًا.
كل واحد منا كان يظن أن الآخر هو من يجب أن يبادر.
أن يعتذر، أن يتّصل، أن يمدّ يده… لكن لا أحد فعل.
(يجلس على الأرض متكئًا إلى الجدار)
أتعرفون ما هو أسوأ ما في الأمر؟
أنك تعتاد الغياب…
تعوّده كأنك تعوّدت على فقد عضو من جسدك.
في البداية تصرخ، ثم تتألم، ثم تتظاهر أنك بخير…
ثم تصدّق أنك بخير.
(ينهض، يسير ببطء نحو الطاولة)
هذه الطاولة… لم أغيّرها. رغم كل السنوات.
هي الشاهد الوحيد على أننا كنا هنا… نضحك، نأكل، نلعب، نخطئ، نعاتب، ونصالح.
(بصوت خافت)
لكنها تغيّرت.
صارت باردة… غريبة.
كأنها تسألني: “أين ذهب الجميع؟”.
ولا أعرف كيف أجيب.
(ينظر إلى الجمهور، بصوت ثابت)
كنت أظن أن الحب وحده يكفي… لكنه لا يكفي إن لم نروه بكلمة، باتصال، برسالة، بلقاء، بأغنية قديمة ترجعك إلى صيف بعيد.
الحب يصمد، نعم… لكنّه يتآكل إذا تُرك في الظلمة.
(بصوت داخلي عميق)
كل الذين مرّوا من حياتي، تركوا شيئًا… ضوءًا، ظلًا، ندبة، ضحكة.
حتى الذين أوجعوني… علموني أن الوجع لا يُميت، بل يُعيد تشكيل القلب.
(يتوقّف، ينظر في الأعلى، كأنّه يسمع صوتًا غائبًا)
سمعت صوت أمي البارحة… لا تسألوني كيف.
قالت لي: “البيت ينتظر”.
لكن أي بيت؟
لقد غادرنا البيوت، غادرنا الكلام، وحتى الصور على الجدران أصبحت بلا ملامح.
(ينزل الضوء قليلًا، وتصبح الإضاءة شاحبة)
لا أكتب الآن بحثًا عن حلّ، ولا أنشد عودة أحد…
فأنا أعرف: لا أحد يعود،
ولا الطاولة تعود كما كانت،
ولا القلوب تبقى إن جفّت فيها المياه.
(يبتسم بحزن)
لكنّي فقط أردت أن أقول:
كنّا هناك…
كنّا ساذجين، صادقين، محمّلين بأحلام أكبر منا.
كنّا نعيش، لا نحسب خطواتنا، ولا نخاف الغد.
(يقترب من الجمهور)
وإن كتب أحدكم يومًا عن زمن مضى… فليقل الحقيقة.
ليقل إننا كنا بشرًا نحبّ ونفشل ونغيب ونعتذر ونندم…
لكننا كنا نحاول.
(يرفع كرسيًا فارغًا ويضعه بجانب الطاولة)
هذا الكرسي لأخي.
وذاك لأختي.
وذلك لأبي الذي لم يعانقني يومًا، لكنه كان يحبني على طريقته.
أما هذا… لي أنا.
الرجل الذي بقي، يشهد على غياب الجميع.
(صمت طويل، ثم بصوت مكسور)
لا ألوم أحدًا.
ولن أرسل رسائل.
فقط سأضع صورة قديمة على الطاولة، وأشعل شمعة.
لأنّ في بعض الغياب… لا جدوى من العودة.
(تغيب الإضاءة تدريجيًا، ويبقى الضوء على صورة قديمة فوق الطاولة. الموسيقى: صوت آلة وترية حزينة)
نهاية الفصل.
قد يعجبك ايضا