العراق بين مطرقة المركز وسندان الفيدرالية: رؤية أمريكية لسياسات خنق كوردستان مالياً

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

في خضم تصاعد الصراع بين الحكومة الاتحادية والإقليم، برز تقرير حديث صادر عن معهد “أغسي” الأمريكي (1)ليعكس عمق القلق الغربي، لاسيما الأمريكي، من تدهور العلاقة المالية – السياسية بين بغداد وأربيل. التقرير لا يقرأ الأزمة بوصفها خلافًا محليًا حول الميزانية، بل كمؤشر لانهيار محتمل في توازن العراق الاتحادي، بما له من انعكاسات تتجاوز الداخل العراقي نحو مجمل الحسابات الأمنية والجيوسياسية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وبحسب التقرير، تحوّلت السياسات المالية لبغداد من أداة تنظيم وتوزيع عادل إلى وسيلة ضغط منهجي ضد إقليم كوردستان، عبر التأخير أو القطع الكلي للرواتب، وهو ما يعبّر عن توجه نحو “إعادة هندسة العلاقة الاتحادية”، ليس عبر الحوار أو الآليات الدستورية، بل باستخدام المال كسلاح سياسي.

واللافت أن هذه الإجراءات صُبغت بشرعية قانونية عبر قرارات المحكمة الاتحادية، ما يمنح هذه السياسة طابعًا رسميًا، ويُحوّل الحيز المالي إلى أداة للهيمنة المركزية، بدلًا من كونه مساحة لتكريس العدالة الفيدرالية.

من جانب اخر لا يخفي التقرير قلقه من أن استمرار هذه الضغوط سيُضعف أحد أكثر الحلفاء استقرارًا وفعالية للولايات المتحدة في العراق، وهو إقليم كوردستان. فالإقليم لم يكن مجرد شريك محلي، بل ذراعًا استراتيجيًا في الحرب على الإرهاب، وسندًا استخباراتيًا وأمنيًا ساهم في تفكيك خلايا داعش، واستيعاب الكوارث الإنسانية لما بعد 2014.
ويرى خبراء المعهد أن إضعاف كوردستان لن يملأه الفراغ فقط، بل سيفتح الباب أمام تعزيز الوجود الإيراني والفواعل المناوئة للمشروع الأمريكي، خاصة في ظل انسحاب واشنطن التدريجي من ساحات المواجهة المباشرة في الشرق الاوسط.
التقرير يسلط الضوء على هشاشة النسيج الوطني العراقي، محذرًا من أن استخدام الأدوات الاقتصادية لفرض الإرادات السياسية على الإقليم يرسخ ثقافة التمييز والهيمنة بدلًا من التعايش، ويبعث برسالة خاطئة إلى باقي مكونات العراق، مفادها أن الهوية الوطنية يمكن أن تُدار بمعادلات الربح والخسارة لا بالمواطنة والدستور.

انطلاقًا من هذه الرؤية، أوصى المعهد بتبنّي نهج أمريكي أكثر فعالية في التعامل مع الحكومة الاتحادية، من خلال:
•كبح سلوك بغداد المالي العقابي تجاه الإقليم.
•دعم مسارات التسوية الدستورية، بعيدًا عن الأحكام الانفرادية.
•تثبيت دور كوردستان كمكوّن داعم للاستقرار في العراق والمنطقة.
•ضمان ألا تتحول الفيدرالية إلى شكل فارغ يُفرّغ الشراكة من مضمونها.

يمثل تقرير “أغسي” دعوة جادة لمراجعة بنية العلاقة بين أربيل وبغداد، ليس من باب التعاطف مع الأزمة، بل انطلاقًا من إدراك استراتيجي يرى في كوردستان عامل توازن، وإضعافه ليس شأناً داخلياً بل خسارة أمريكية. فبين حسابات النفط، وصراعات القضاء، وضغوط الرواتب، قد تفقد واشنطن واحدة من آخر مناطق نفوذها المستقرة في العراق.

(1)العنوان الأصلي للتقرير:
Baghdad’s Financial Squeezing of Kurdistan Undermines U.S. Interests
تاريخ النشر:
4 تموز 2025

معهد “أغسي” – AGSI
American Global Strategies Institute
(معهد الاستراتيجيات العالمية الأمريكية)

قد يعجبك ايضا