شَمال آكرَيي
في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها العراق، سياسيا واقتصاديا وقضائيا، تبرز أزمة رواتب موظفي إقليم كردستان كواحدة من أبرز تجليات الخلل المزمن في العلاقة بين بغداد وأربيل. وفي هذا السياق، جاء موقف رئيس وزراء إقليم كردستان، السيد مسرور بارزاني، ليضع النقاط على الحروف في مواجهة ما يمكن اعتباره ظلما ماليا واقتصاديا تمارسه بغداد تجاه مواطني الإقليم، الذين لم يقترفوا جريمة سوى أنهم جزء من كيان اتحادي لم يلتزم بوضعه القانوني والدستوري على النحو السليم.
إن جوهر ما قاله السيد بارزاني، بأن بغداد تتعمد تجويع مواطني الإقليم، لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد خطاب سياسي انفعالي، بل هو توصيف واقعي لحالة من التمييز المالي الممنهج، يتخذ من التعقيدات الدستورية غطاء لسلب مكونات أساسية في البلاد حقوقها الدستورية والمالية.
لو نظرنا الى الأزمة من بعد دستوري، نرى أن المادة (121) من الدستور العراقي تنص بوضوح على أن للإقليم حق في ممارسة سلطات مالية وإدارية وتشريعية، ضمن إطار الدولة الاتحادية. كما أن الدستور لم يربط إطلاق الرواتب بأي شرط سياسي أو تفاهم مسبق، بل نص على التزام الحكومة الاتحادية بتمويل الإقليم أسوة بباقي المحافظات. وبالتالي، فإن وقف صرف الرواتب، كما حدث منذ عدة أشهر، لا يعد فقط خرقا دستوريا، بل عقوبة جماعية غير معلنة طالت أكثر من مليون ونصف مواطن في كردستان، من الموظفين وعوائلهم.
في خضم الأزمة، توجه عدد من موظفي الإقليم بشكوى إلى المحكمة الاتحادية في بغداد مطالبين بأمر ولائي يُجبر وزارة المالية على صرف الرواتب، وفقا لقرارات سابقة للمحكمة نفسها. إلا أن المفاجأة كانت في استقالة عدد من أعضاء المحكمة بشكل مفاجئ، مما شلّ قدرتها على إصدار أي أمر ولائي أو بتّ عاجل في القضية.
الربط الزمني بين استقالة القضاة وملف رواتب الإقليم يطرح تساؤلات جوهرية عن استقلال القضاء، وهل كان الهدف من الاستقالة هو إفراغ المحكمة من وظيفتها في لحظة حرجة يُنتظر منها الحسم لصالح حقوق المواطنين؟ وهذا ما لمح إليه السيد بارزاني أيضا عندما تساءل عن الصدفة الغريبة التي تزامنت فيها الاستقالات مع تحرك الموظفين قانونيا.
يرى السيد بارزاني أن هناك جهات سياسية في بغداد تسعى إلى توظيف الملف المالي كورقة ضغط على الإقليم، بهدف إخضاعه سياسيا، لا سيّما بعد توقيعه اتفاقات طاقة دولية ونجاحه في ترسيخ علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة. وهنا يتحول ملف الرواتب إلى وسيلة ابتزاز سياسي، لا تختلف عن أدوات الحصار الاقتصادي التي تُستخدم عادة ضد الأنظمة الخارجية، لا المواطنين داخل الدولة.
ومع استمرار الأزمة، فإن تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية تتسع، إذ لا تقتصر فقط على انقطاع الرواتب، بل تمتد إلى ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع مستويات الفقر، وتراجع الأداء الخدمي، وهجرة الكفاءات من الإقليم.
من الواضح أن السيد رئيس حكومة الإقليم لا يتعامل مع الأزمة من باب رد الفعل فقط، بل يطرح رؤية متكاملة تقوم على المطالبة بالعدالة الدستورية، وتفعيل مبدأ الشراكة الحقيقية في إدارة الدولة، ورفض الهيمنة السياسية. كما أن اتصاله الأخير برئيس مجلس القضاء الأعلى، ومبادرته بإرسال وفد من بغداد إلى أربيل، تعكس حرصه على معالجة الأزمة بالحوار، لا التصعيد، مع إبقاء جميع الأبواب مفتوحة للوصول إلى تسوية تحفظ كرامة مواطني الإقليم وحقوقهم.
الخلاصة:
ما يطرحه السيد مسرور بارزاني ليس مجرد تظلّم إقليمي، بل هو صرخة دستورية بوجه انحراف مركزي يُهدد وحدة العراق واستقراره. أزمة الرواتب لم تعد مالية فقط، بل تحوّلت إلى مؤشر على عمق الشرخ السياسي والدستوري في الدولة. وفي الوقت الذي تنتظر فيه بغداد من الإقليم الالتزام الكامل، فإن أبسط مقومات هذا الالتزام، وهو الإنصاف في الحقوق، ما زال معطّلا بفعل القرار السياسي المؤدلج.
ومن هنا، فإن موقف السيد رئيس وزراء إقليم كردستان هو موقف مبدئي يطال بالعدالة، لا الخضوع، وعن الاستقرار عبر طريق الشراكة الحقيقية، لا التبعية. فهل من يسمع؟