سردار علي سنجاري
منذ سقوط النظام البعثي الصدامي في العراق سنة 2003 والعلاقة بين حكومة اقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد تشهد الكثير من التوترات السياسية والاقتصادية. وقد حاولت الحكومات العراقية منذ بداية تاسيس نظام سياسي جديد في العراق ان تجعل من القضية الكوردية قضية ثانوية وتعاملت معها بطرق مختلفة ولكن غالبيتها كانت تحاول خلق الفوضى السياسية في التعامل مع الكورد وأبعادهم عن تحقيق اهدافهم القومية والانسانية ضمن عراق ديموقراطي فيدرالي يضمن العدالة والمساواة بين جميع مكونات الشعب العراقي.
ولعل واحدة من اهم القضايا حساسية بين الجانبين هي استخدام بغداد ورقة رواتب موظفي الاقليم كورقة ضغط على حكومة الاقليم لتقديم التنازلات والتراجع عن حقوقهم الدستورية المشروعة. ان قطع رواتب موظفي اقليم كوردستان او تأخيرها اجراء لا إنساني ولا اخلاقي من الناحية الاجتماعية حيث يؤثر بشكل سلبي و مباشر على حياة مئات الآلاف من المواطنين. وقد أثار هذا التصرف من قبل الحكومة العراقية تساولات حول شرعيته السياسية والقانونية وعما إذا كان ذلك يشكل نوعا من الأرهاب الاقتصادي الموجه ضد مكون اجتماعي وسياسي داخل الدولة العراقية .
لقد بدأت أزمة الرواتب بشكل واضح بعد عام 2014، في ذلك العام شهد العراق الكثير من الاحداث المؤسفة حيث تم السيطرة على ثلث الأراضي العراقية من قبل داعش مما جعل موازين القوى السياسية في العراق تمر بحالة من الفوضى والتخبط السياسي والعسكري . وقد تحمل اقليم كوردستان أعباء ذلك التخبط والفوضى حيث نزح الالاف من المواطنين العرب العراقيين إلى المناطق الأكثر امناً وكانت كوردستان انذاك تتمتع بهذه الخاصية وتحمل الاقليم أعباء مالية إضافية بسبب الأعداد الكبيرة التي نزحت اليه . في تلك الفترة وذاك التخبط الاقتصادي والسياسي في بغداد والمواقف البطولية لحكومة وقيادة الكورد ومساهمتهم الفعالة في دعم العمليات العسكرية والتنسيق والمشاركة الفعالة في محاربة داعش وتحرير العديد من المناطق التي كانت قد سيطرت عليها قوات داعش والآلاف من الشهداء من قوات البيشمركة استغلت بغداد تلك الظروف الاستثنائية ودخلت في نزاع مع حكومة الاقليم حول بيع نفط الاقليم بحجة دون الرجوع للحكومة الاتحادية وبالطبع كانت تلك مجرد خطوة للحد من مكانة الاقليم الدولية التي بدأت تظهر بشكل كبير مع محاربة داعش مما سبّب إحراجا واضحا للحكومة العراقية .
ومن اجل الضغط على ملف النفط استغلت بغداد رواتب موظفي كوردستان كورقة ضغط وردت بتقليص او قطع إرسال مستحقات الاقليم المالية بما فيها راتب الموظفين. ورغم تعاقب الحكومات العراقية استمرّت سياسة الربط السياسي – الاقتصادي مع الاقليم مما أدى إلى تفاقم الأزمة إلى يومنا هذا .
بالتأكيد ان الأزمة المالية لاي بلدٍ توثر بشكل مباشر على المواطنين بالدرجة الأولى حيث تنخفض القدرة الشرائية وتزداد نسبة الفقر والبطالة ويتم تعطيل الأنشطة الاقتصادية المحلية ناهيك عن تبعيات الهجرة الداخلية والخارجية.
ومن ناحية أخرى لا تقل أهمية مما جاء هو تآكل ثقة المواطنين الكورد بالحكومة الإتحادية مما قد يسبب العديد من الحركات الاحتجاجية والإضرابات التي لا تخدم سمعة وصورة العراق دوليا.
اما محليا فان الخطوة التي اقدمت عليها بغداد في قطع رواتب موظفي اقليم كوردستان قد تسبب في تعميق الفجوة بين بغداد واربيل وبين الشعبين الكوردي والعربي وربما يتم استغلال القضية سياسيا من أطراف خارجية وداخلية . ونحن نعلم بان هناك أيادي داخلية تسعى إلى نسف العلاقة بين الجانبين بإشراف وتنسيق دولي . ان تفكيك النسيج الوطني اكبر مما تفكر فيه بعض القوى السياسية العراقية المرتبطة بأجندات خارجية من قطّع رواتب موظفي الاقليم . العراق يمر بظروف قاسية يتطلب من الجميع العمل على توفير الارداة الحقيقة للحفاظ على وحدة الشعب العراقي ومكوناته . تلك الوحدة التي حافظ عليها الكورد في اكثر الظروف صعوبة حيث كان امام الكورد الكثير من الفرص السياسية للمضي قدماً نحو تحقيق طموحاتهم وأهدافهم القومية إلا انهم وضعوا أمامهم مصلحة ووحدة العراق اولا.
ان استخدام أدوات اقتصادية لإحداث ضرر ممنهج بهدف الضغط او الإخضاع لرغبة جهة ما يعتبر ارهابا اقتصاديا حسب القانون الدولي . وعليه قطع الرواتب يعد عقوبة جماعية توثر على المدنيين . وطالما استخدام هذه الورقة لتحقيق أهداف سياسية دون اي سند او حكم قضائي فهو يعزز من فكرة الارهاب الاقتصادي .
على حكومة اقليم كوردستان البحث عن آلية ثابتة لضمان حقوق موظفيها من خلال دسترة حقوق الاقليم المالية والبحث عن مخارج قانونية وعلى الحكومة الإتحادية، تحييد ملف الرواتب عن الصراعات السياسية .
وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق او حل يضمن حقوق الاقليم المالية على حكومة الاقليم طلب انشاء محكمة مالية اتحادية مستقلة لحسم الخلافات على ان لا تكون تلك المحكمة مسيسة او تقع تحت ضغط من قبل جهات داخلية و خارجية . او طلب مراقبة اممية من الامم المتحدة لضمان عدم استغلال بغداد قضية رواتب موظفي اقليم كوردستان سياسيا .
يبدوا ان فكرة تعزيز الثقة بين الجانبين أصبحت بعيدة وعليه يجب ان يكون الدستور هو الفاصل بين الطرفين.