إرادة القصف… وصراع البقاء بين طهران وتل أبيب

د. ابراهيم احمد سمو

منذ ساعات الصباح الأولى ونحن نراقب بقلق بالغ تطورات الحرب المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، غير أن هذه الحرب ليست مجرد مواجهة مسلّحة بين دولتين على خلفية توتر سياسي أو أمني. بل في جوهرها، صراع أوسع بكثير من ساحات المعركة، صراع بين رؤيتين للعالم، وبين إيديولوجيتين تتنازعان على الوجود والتأثير في الشرق الأوسط، بل وربما في النظام الدولي برمته.

الصراع بين إسرائيل وإيران هو حلقة ضمن سياق تاريخي معقّد، بدأت ملامحه تتشكل منذ قيام الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، وازدادت حدّته مع طموح إيران النووي، وتنامي نفوذها الإقليمي من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن. في المقابل، ترى إسرائيل في هذا التمدد الإيراني تهديدًا وجوديًا مباشرًا، لا يمكن تجاهله أو احتواؤه عبر الدبلوماسية وحدها. إنها حرب إرادات قبل أن تكون حربًا بالسلاح.

في هذا السياق، تبدو إسرائيل مدفوعة بهاجس أمني عميق. رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يكرر في أكثر من مناسبة الإشارة إلى عام 1938، ذلك العام الذي سبق المحرقة النازية بحق اليهود. يحرص نتنياهو على استحضار هذا التاريخ ليقول للعالم، وللإسرائيليين خصوصًا: “لن نسمح بتكرار المأساة”. إنه يُلبس الصراع مع إيران ثوبًا وجوديًا، ويعتبر أن الصمت في وجه التهديد النووي الإيراني يُعد بمثابة انتحار بطيء.

وفي الضفة الأخرى، تقف إيران بثقلها الثوري، محكومة بشعاراتها التاريخية: “الموت لإسرائيل” و”الموت لأمريكا”، وهي شعارات لم تعد مجرد كلمات ترددها الحشود، بل تحوّلت إلى سياسة معلنة، تُترجمها طهران من خلال دعم فصائل مسلّحة في لبنان وغزة وسوريا والعراق، وتسعى لتطويق إسرائيل بما يُشبه الطوق الجغرافي.

ما نشهده اليوم هو مواجهة تتجاوز الجغرافيا، تتجاوز حتى الحدود السياسية أو الطموحات النووية. إنها معركة بين مشروعين متناقضين في الجوهر: مشروع يريد أن يُبقي الشرق الأوسط ضمن دائرة النفوذ الغربي، ومشروع يحاول أن يرسّخ نظامًا جديدًا بمساعدة تحالفاته مع روسيا والصين. ومن هنا، فإن الحرب بين إيران وإسرائيل ليست فقط حربًا بين دولتين، بل بين كتلتين عالميتين، كل منهما تسعى لإعادة صياغة العالم وفقًا لرؤيتها.

الضربة الأمريكية الأخيرة التي استهدفت أهدافًا إيرانية جاءت كما لو أنها “قَصْفَة ما قبل العاصفة”، ضربة مباغتة أربكت المشهد، وأكدت أن واشنطن، رغم ترددها الظاهري، ما زالت على خط النار، وأنها لا تقبل بوقوع إسرائيل في عزلة المواجهة. ربما لم تُعلن الولايات المتحدة بشكل مباشر دخولها الكامل في الحرب، لكنها بالفعل طرف فاعل، حاضر في العمق السياسي والعسكري.

وفي المقابل، ترى إيران نفسها مستهدفة من قِبل تحالف واسع يمتد من تل أبيب إلى واشنطن، ومن أوروبا إلى بعض العواصم العربية. وهي تُراهن على الوقت، وعلى استنزاف خصومها، وعلى إتمام مشروعها النووي الذي تعتبره ضمانة لبقائها، وأداة للردع الاستراتيجي ضد أي هجوم محتمل.

الخطير في هذه المعادلة أن الطرفين لا يملكان ترف التراجع. إسرائيل، المحكومة بهاجس المحرقة، لا تستطيع الانتظار حتى تكتمل القدرات النووية الإيرانية. وإيران، المحكومة بهاجس الحصار والتطويق، ترى في أي تراجع هزيمة لمشروعها الثوري. ومن هنا، فإن الحرب بينهما قد لا تكون محدودة، بل ربما تتوسع لتطال مناطق ونقاط تماس إقليمية ودولية.

الصراع الراهن ليس لحظة عابرة، بل هو تعبير عن خلل عميق في توازنات المنطقة. وقد تكون هذه الحرب أولى إشارات التحول الكبير الذي ينتظر الشرق الأوسط في السنوات القادمة. فمن الواضح أن التسويات القديمة قد سقطت، وأن اللغة الدبلوماسية فقدت مفعولها أمام لغة النار.

وبين كل هذا، يقف العالم مترقبًا: هل نحن أمام حرب إقليمية كبرى قد تتورط فيها قوى عالمية؟ أم أن القوى الكبرى ستنجح، مرة أخرى، في احتواء اللهب قبل أن يلتهم الجميع؟

“القصف”، الذي بدأ، لا يبدو أنه سيقف عند حد. إنه إعلان مبكر عن معركة وجود، تُخاض فيها كل أوراق القوة: السلاح، التاريخ، الإيديولوجيا، وحتى الخوف من الإبادة. وما بين تل أبيب وطهران، لم تعد المسافة تُقاس بالكيلومترات، بل باللحظات الحاسمة التي تفصل العالم عن انفجار جديد… قد يكون عنوانه: “من يصرخ

قد يعجبك ايضا