آلام الكورد

سمير ميراني

منذ أن سمّاني الكتاب والمعاجم وسجلني التاريخ في خاناته ” بالكوردي”، وأنا أحمل اسماً أكبر من قدرتي على فهمه، كنت أظن أن الأسماء مجرد كلمات، ثم رأيت كيف لاسم واحد أن يحمل جبالاً من التعب، وقروناً من الانتظار، ووجوهاً رحلت قبل أن ترى ما كانت تحلم به، تركوا لنا ألماً لم يجد من يدفنه، وكلما حاولت أن أعود إلى البداية وجدت بدايات كثيرة، فالماضي لا يموت، إنه يتسلل إلى حاضرنا كجرح لا يلتئم، وحين نظرت حولي وجدت أن هذا الألم ليس ألمي وحدي، وجدت شعباً بأكمله يحمل ما أحمل.
عبر العصور كنا وقوداً لحروب لم نشعلها، وثمناً لصفقات لم نُدعَ إلى طاولتها، أعطونا وعوداً بالجنة، وأخذوا منا الأرض والدم والاسم، وسمّينا هذا إيماناً وتضحية، لأن التسمية الأخرى كانت ستؤلمنا أكثر مما نحتمل.
والتاريخ لم يرحمنا حتى بذكرنا بين الخاسرين، كنا هناك _ في كل معركة وكل مفاوضة وكل خريطة رُسمت من جديد_ ولم نكن شيئاً، وهذا هو أشد الجراح على النفس، أن تكون وأن يتصرف العالم كأنك لم تكن.
لهذا نحن بحاجة إلى محو أمية لا تُقرأ في الكتب، أمية تاريخية تجعلنا لا نعرف بداياتنا، وأمية عقائدية جعلت منا أدوات في يد من يملك التأويل، وأمية أيديولوجية لبست ثوب الانتماء ، وحولتنا إلى قبائل تنسى أن القومية ليست نسباً لكنها وعياً.
نحن بحاجة إلى شيء واحد قبل كل شيء : أن نرأف ببعضنا، الرأفة في الكلام حين نتخاطب، وفي الأفعال حين نختار، وفي التمسك حين يجب أن نتمسك، وفي التخلي حين يجب أن نتخلى، هذه الرأفة التي نمنحها للغريب ونبخل بها على أنفسنا.
نتقبل الآخرين ونمنحهم الأمان وننتظر منهم القبول، لسنا صادقين مع أنفسنا، ولكننا ننطق الحق في دواوين الغرباء، نرتدي ثوب الوعاظ وشعاراتنا تتجاور مع سلوكياتنا المتناقضة دون أن تلتقي، وهذا ما يدفعنا إلى تقبّل الجميع من أجل البقاء، ولم يعد الجرح في ما فُعل بنا وحده إنما في ما أصبحنا نفعله بأنفسنا، هذا قَرحٌ مسّ إنسانيتنا.
ومن أشد آلامنا أن أعداءنا قلوبهم معنا وسيوفهم على رقابنا، يحتضنوننا بالكلام ويذبحوننا بالأفعال، وما يزيد الجرح عمقاً أن سيوفنا كانت أحياناً معهم على رقابنا.
آلامنا ليست أعمق من آلام الآخرين ولكنها أطول، نطيلها حين نختار القبيلة على الشعب والبقاء على الكرامة، والصمت على الحق، حين نفعل ذلك، نحن نمنح أعداءنا السيف ونكشف لهم الرقاب.
نحن شعب يستحق أن يرى نفسه بعين صادقة، لا بعين الضحية التي تنتظر، ولا بعين المحارب الذي يدّعي، ولكن بعين من يعرف مافيه – جراحه وتناقضاته وخذلانه لنفسه.
هل نختار أن نبقى أحراراً ، أم نكتفي بأن نبقى؟

قد يعجبك ايضا