المحامي حمزه رشيد الصيداوي
لا تزال المسألة النووية الإيرانية تشكّل أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي، لما تحمله من انعكاسات على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وتوازن القوى بين إيران ودول الجوار، خاصة إسرائيل ودول الخليج. وفي هذا السياق، تتشابك الدوافع السياسية والأمنية والاستراتيجية التي تقف خلف إصرار إيران على المضي قُدمًا في برنامجها النووي، مع سلسلة من الجهود الدولية التي تهدف إلى احتواء هذا الطموح، ومنعه من التحول إلى تهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين.
أولًا: الدوافع الإيرانية نحو التسلح النووي
يمكن تلخيص أبرز دوافع إيران في سعيها لامتلاك قدرات نووية، سواء لأغراض مدنية معلنة أو أخرى عسكرية محتملة، في النقاط التالية:
1.الردع الإقليمي: ترى إيران أن امتلاك قدرات نووية ـ أو حتى الإيحاء بذلك ـ يمنحها نوعًا من الردع أمام خصومها، لا سيما إسرائيل التي تمتلك قدرات نووية غير معلنة، والولايات المتحدة التي تحتفظ بقواعد عسكرية قريبة.
2.الهيبة الإقليمية والداخلية: النظام الإيراني يوظف البرنامج النووي لتعزيز مكانته في الداخل كرمز للسيادة الوطنية والقدرة التكنولوجية، وفي الخارج كدولة إقليمية لا يمكن تجاوزها في معادلات المنطقة.
3.الضمان ضد التدخل الأجنبي: التجارب السابقة في العراق وليبيا عززت قناعة بعض دوائر صنع القرار في إيران بأن القوة النووية أو شبه النووية تمثل ضمانة ضد تغيير النظام بالقوة.
ثانيًا: الجهود الدولية لاحتواء البرنامج النووي الإيراني
منذ عام 2002، ومع الكشف عن منشآت نووية إيرانية غير معلنة، دخل المجتمع الدولي في سلسلة من الجولات الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية، أبرزها:
1.اتفاقية خطة العمل المشتركة (JCPOA) 2015: التي وُقعت بين إيران ومجموعة (5+1)، وهدفت إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات تدريجيًا. ورغم أنها شكلت انفراجة مؤقتة، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة منها عام 2018 أعاد التصعيد من جديد.
2.العقوبات الاقتصادية: فرضت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سلسلة من العقوبات استهدفت الاقتصاد الإيراني، وخاصة قطاعي النفط والمصارف، للضغط على طهران للامتثال للضوابط النووية.
3.الجهود الدبلوماسية المستمرة: لا تزال المفاوضات جارية بصور غير مباشرة، عبر وسطاء مثل الاتحاد الأوروبي وسلطنة عُمان، في محاولة لإعادة إحياء الاتفاق النووي أو التوصل إلى تسوية جديدة.
4.التهديد بالخيار العسكري: سواء من إسرائيل أو ضمنيًا من الولايات المتحدة، وهو ما يُستخدم كورقة ضغط، لكنه في الوقت ذاته ينطوي على مخاطر اندلاع نزاع واسع النطاق.
ثالثًا: الموقف القانوني الدولي
من منظور القانون الدولي، يُعد انضمام إيران إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) منذ عام 1968 التزامًا قانونيًا بعدم تطوير أسلحة نووية، مع السماح لها بالاستخدام السلمي للطاقة الذرية. لكن الخلاف يتمحور حول ما إذا كانت إيران تنتهك هذا الالتزام من خلال أنشطة غير معلنة أو تتجاوز حدود التخصيب المسموح بها.
كما أن دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) يبقى محوريًا في التحقق من سلمية البرنامج النووي الإيراني. وقد أصدرت الوكالة تقارير متكررة تُبدي فيها القلق من عدم تعاون إيران بشكل كاف، مما يعزز الشكوك الغربية.
رابعًا: موقف العراق والدول العربية من البرنامج النووي الإيراني
يُنظر إلى البرنامج النووي الإيراني في العالم العربي، لا سيما في العراق ودول الخليج، بعين القلق والتحفظ، وإن بدرجات متفاوتة تبعًا للاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الإقليمية:
1. موقف العراق:
يعتمد موقف العراق من الملف النووي الإيراني على مزيج من الحذر والدعوة إلى الحلول السلمية. فبحكم الجوار الجغرافي والروابط السياسية والمذهبية، يحرص العراق على تجنب التوتر مع إيران، لكنه في ذات الوقت لا يرغب في أن يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة سباق تسلح نووي. وقد أكد العراق في عدة مناسبات التزامه بمعاهدة عدم الانتشار، ورفضه أي تحركات تؤدي إلى عسكرة المنطقة أو تهديد الأمن الإقليمي. كما يدعو إلى جعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إيران وإسرائيل، خالية من الأسلحة النووية.
2. موقف الدول الخليجية والعربية:
تخشى العديد من الدول الخليجية، خصوصًا المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، من تداعيات البرنامج النووي الإيراني على أمنها القومي. وتعتبر أن امتلاك إيران لتقنيات نووية متقدمة قد يخلّ بتوازن القوى في المنطقة، ويفتح الباب لتدخلات أوسع في الشؤون الداخلية للدول العربية. ولذا، سعت هذه الدول إلى دعم الجهود الدولية لاحتواء إيران دبلوماسيًا، بل ولوّحت بعضها بإمكانية السعي لتطوير برامج نووية مدنية خاصة بها كردّ توازني.
3. المطالبة بإصلاح النظام الدولي للحد من الانتشار النووي:
في ظل ازدواجية المعايير الدولية ـ لا سيما تجاه امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية دون خضوعها لمعاهدة NPT ـ دعت العديد من الدول العربية إلى ضرورة إصلاح النظام الدولي الخاص بالانتشار النووي، وإلزام جميع دول المنطقة، دون استثناء، بالانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات ذات الصلة.
خامسًا: الرأي القانوني والمقترحات العملية
من منظور القانون الدولي، يُعد التزام الدول بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) والموافقة على البروتوكول الإضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) من الركائز الأساسية لحماية السلم والأمن الدوليين. وبناءً على ذلك، فإن استمرار إيران في الأنشطة النووية خارج الإطار الكامل للتفتيش الدولي، يثير تساؤلات قانونية حول مدى التزامها بواجباتها الدولية، رغم إعلانها المتكرر أن برنامجها سلمي.
كما أن التهديد باستخدام القوة ضد إيران تحت ذريعة منعها من امتلاك السلاح النووي، من جانب دول أخرى، دون تفويض من مجلس الأمن، قد يُعد خرقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة (2/4) التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
مقترحات عملية:
1.إنشاء آلية إقليمية قانونية للمراقبة النووية:
تقودها الدول العربية بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لضمان الرقابة الشفافة على كافة البرامج النووية في المنطقة، بما يشمل إسرائيل وإيران، وفق معايير موحدة.
2.دعم جهود نزع السلاح النووي في الشرق الأوسط:
بالدعوة إلى مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة بهدف إعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وهذا ينسجم مع قرارات سابقة للجمعية العامة ومؤتمرات مراجعة معاهدة NPT.
3.إصدار مواقف عربية موحدة قانونية وسياسية:
تعبر عن رفض عسكرة البرامج النووية، وتطالب بحلول دبلوماسية قائمة على مبدأ الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وضمان أمن شعوب المنطقة دون تهديد.
4.تعزيز الدبلوماسية الوقائية بدلاً من العقوبات فقط:
وذلك عبر إشراك الدول العربية ـ وخاصة العراق وسلطنة عمان ـ كوسطاء محايدين يمكنهم تقريب وجهات النظر بين إيران والغرب.
يبقى التحدي الأكبر في الملف النووي الإيراني هو إيجاد توازن بين حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وحق المجتمع الدولي في ضمان عدم تحويل هذه البرامج إلى تهديدات عسكرية. ومن هنا، يتعين على الدول العربية، بما فيها العراق، أن تمارس دورًا فاعلًا في صوغ مقاربات قانونية ودبلوماسية تعزز الاستقرار، وتحفظ أمن المنطقة بعيدًا عن التصعيد والمواجهة