الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي
إذا كان من المقرَّر أن التفكير عمليةٌ ترتبط بوجود الإنسان وامتلاكه لقدراته واستخدامه لها، وأن الفرق في ناتج هذه العملية هو في الكَمِّ لا في النوع – مع التجوز في استخدام لفظتَي الكم والنوع هنا – وأن لكل فكرٍ مبادئه ووسائله وغاياته.
أقول: حين يتقرَّر هذا – من وجهة نظرنا على الأقل – فإن المسلمين لا بد أن يُمارِسوا التفكير، وأن يكون لهم فكرٌ يتمايز عن غيره بمقدار ما يلتزم مبادئه ومعتقداته، ويستمر وجوده وفاعليته بقدر ما يقدم للحياة من عطاء تحتاجه الحياة، ويسهم في خدمة الأحياء وبصفة خاصة الإنسان، وإذا كان الفكر عملية يمارسها كل الناس، فإن التفكير العلمي خاص بالعلماء.
ولذا فنحن نَعني بالفكر الإسلامي ما أنتجه وما ينتجه العقلُ المسلم من خلال تعامله مع النصوص الإسلامية وَفْقَ منهج علمي؛ ذلك أن بحوث علماء المسلمين في أية قضية إنما تجمع بين اجتهادهم كمطلب للبحث لا بد فيه من أعمال العقل، ونصوص من الكتاب والسُّنة يستندون إليها نقطة انطلاق ومرجع تحكيم، كل ذلك في ضوء ربط نتائج البحوث بحياة الناس في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية.
فهناك موضوع للفكر هو المشكلات المتعلقة بالدِّين والفكر والحياة، وهناك منهج عقلي لتناوله، وهناك إلى جانبِهما مرجعية معينة أو أصول مرعيَّة في ضمير المجتمع وثقافته، وهذا حال كل فكر اجتماعي فيما أزعم، والفرق إنما يتمثَّل في نسبة الالتزام بهذه المرجعية، ومراعاة هذه الأصول الفكرية، والاستهداء بتلك المبادئ المشتركة في التماس الحلول، فقد يتفاوت ذلك كله من حالة إلى أخرى.
وللفكر الإسلامي دون مراءٍ وضعية خاصة في هذا الصدد، ومن حيث قوة الالتزام – بأصول الشريعة المتضمَّنة في القرآن الكريم ، والراسخة في ضمير الأمة باعتبارها مصدرَ الشرعية العليا، والتي تتيح للفكر الذي يظهر بين المسلمين أن يوصف بأنه (فكر إسلامي).
ووَفْقَ هذا الفهم لمعنى الفكر الإسلامي عرَفت الحضارة الإنسانية علومًا إسلامية دار بعضها حول النص القرآني؛ أمثال علوم اللغة والتفسير ونحوها، كما كان بعضها بيانًا لِما جاء في المصادر الإسلامية من عقائد، وسنن اجتماعية، وضوابط تفكير، فكانت علوم العقيدة، ومناهج البحث، وعلوم أصول الحديث والرجال ونحوها، كما كان بعضها استجابةً لدعوة الإسلام إلى إعمال العقل، والتأمُّل في الكون؛ مثل الكيمياء، والفلك، والرياضيات، ونحوها، وهكذا كان المفكر المسلم مستجيبًا لضوابط عقيدته، وحاجات الحياة حوله.
(والحق أن الأمر بالنسبة للفكر والمفكر المسلم، يختلف عنه في كل حضارة أخرى أو فهم آخر؛ لأن الفكر مِن أول الأمر – وهذا ما يجب أن نؤكِّده دائمًا – قد ارتبط بأصول الإسلام، وهي واضحة بأدلَّتها، بالإضافة إلى أن منهج الإسلام – سواء في مجال علوم الدين، أو في مجال العلم والفلسفة بوجه عامٍّ – منهج عقلي، ولم تكن المشكلةُ في الإسلام هي مشكلةَ التوفيق بين الدين والعقل، بل فهم الدين بالعقل).
ووَفْقَ هذا الفهم ينبغي أن نُدرك الفرق بين قدسيَّة المرجع في الفكر الإسلامي، وعملية التفكير ذاتها بما تنتجه من علوم ومعارف؛ إذ يجوز على التفكير باعتباره جهدًا بشريًّا أن يخطئ وأن يصيب، وفي الإسلام لكلٍّ مقدارٌ من الأجر، لكن مرجعية هذا الفكر مَصُونة مقدَّسة؛ لأنها إذا كانت قرآنًا فهو من لدن حكيم خبير، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وإذا كانت سُنةً صحيحة فهي مرعية بالوحي من الله سبحانه، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4].
وهذا الفرق يُثير مسألةَ موقف الفكر الإسلامي بين ثبات النص وتغير الواقع والحاجات، وهي قضية شغَلت مفكِّرين إسلاميين في عصرنا، محاولة لتوضيح هذا التعارض الظاهري.