التآخي : وكالات
أثار العرض المسرحي العراقي “الجدار” تأليف حيدر جمعة واخراج سنان العزاوي وسينوغرافيا علي السوداني، الذي دشن مهرجان مسرح بغداد الدولي للمسرح، عروضه بها، الكثير من الجدل والسجالات والتي ستستمر الى وقت ليس بالقصير، بسبب ما طرحته من افكار وقصص من الواقع، وبجرأة لم يعرفها المسرح العراقي.
يأخذ النص المسرحي الغني بمفرداته قصص 11 امرأة هن ضحايا المجتمع الذكوري القاسي بحق الزوجة والبنت والحبيبة، لكل امرأة قصتها التي يضعها العزاوي تحت مجهر التحليل الجمالي ويسلط عليها عدسات ابداعية مكبرة ليجسد وبصورة عريضة وعميقة ايضا فواجع معاناتهن وسط ضجيج الحياة التي لا تلتفت لصراخهن بوجه العالم.
جدار يفصل بين ما هو معلن وما هو مخفي، الجدار مؤسس في الداخل اولاً، الداخل البشع والمتعب، والخارج المبرقع بالزيف والاكاذيب والمكياج والازياء التي تغطي صخب انفعالات مكتومة وشهادات حقيقية تجرحها المظاهر.
عشر ممثلات مثل لبوات جريحات يتحركن في فضاء مغلف ومغلق بالجدران التي تخفي وراءها جرائم تتراكم وتتناسل تفضحها الشخوص كلما تمادت الاحداث في قسوتها، هن: الاء نجم، لبوة عرب، إسراء رفعت، رضاب احمد، زمن الربيعي، رهام البياتي، نعمت عبد الحسين، عراق امين، شيرين سيرواني، وعبير جبار ، وممثل يؤدي دور الممسوخ، يحيى ابراهيم، هو بمثابة المروض للبوات.
بالاسئلة يبدأ العرض، الاسئلة التي تتعلق بفلسفة الحياة، وتبقى هذه الاسئلة تتردد خلال الاحداث دون الاجابة عنها بوضوح: هل نحن بشر ام حيوانات. هل نحن ملائكة ام شياطين. هل نحن مؤمنين ام قوادين؟”. أسئلة تقترب كثيراً من سؤال الشخصية الشكسبيرية المثيرة للجدل، هاملت، To be or not to be، “نكون او لا نكون”، فالوجود هنا محور صراع الشخصيات مع ذواتها اولا ومع المحيط المجتمعي ثانياً، مع الحدث ذاته ومع المؤثرات لتتشابك الخيوط بالتالي وتنسج شبكة من التناقضات التي تحكم بها المخرج، سنان العزاوي تماماً مثل الدمى المربوطة بخيوط، قبل ان تفلت منه فيتركها لمصائرها.
الغياب والحضور، الغياب اولا قبل الحضور، فكرة متناقضة تماما، يجب ان يكون الحضور اولا ثم يحدث الغياب، لكننا كمتلقين وعندما دخلنا قاعة مسرح الرشيد، حيث عرض العمل، كانت الشخوص موجودة على خشبة المسرح، لكنها في نفس الوقت غائبة عن الواقع الذي ستتحرك خلاله باحثة عن حضورها، عن وجودها المغيب بالاستلاب والقهر والاغتصاب والتعب والذل.
الجدار عبارة عن عازل بين الرذيلة والفضيلة الغائبة، تتحرك في مساحته الفاصلة الراقصة التي تفضح ممارسات السياسيين الذين يستلبون روحها وجسدها، والبنت االتي كان والدها يغتصبها ويربطها في سلاسل داخل البيت” كالكلب الاجرب” على حد وصفها، والام التي تضطرها حالتها االعصابية الى رمي طفلتيها في النهر” هل وجدتم حضن النهر اكثر دفئاً من حضني؟” تسال طفلتيها الغارقتين، والزوجة التي يعرض زوجها جسدها للاخرين مقابل ثمن، الزوج “القواد”، وكذلك الزوج المريض بنزواته الشاذة فتحرقه زوجته في فراشه، والمرأة المتدينة، مع تضبيب الدين او المذهب، والتي تتبادل في مهمتها وشخصيتها مع الراقصة لتفضح حقيقة شخصيتها المتوارية بعباءة الدين.