شيروان الشميراني
عندما قتلت إسرائيل القيادي في حزب الله فؤاد شكر في بيروت، وهدد الحزب على إثره الكيان برد موجع، ثم حدث ما حدث من رد على قاعدة لواء 8200، وهي المسؤولة عن الاغتيالات، قالت مراسلة نيويورك تايمز من تل أبيب: يبدو أن الهجوم المروع المنتظر انتهى قبل أن يبدأ، والآن وبعد التهديدات المتتالية لقادة كيان إسرائيل بضربة تشمل كل أراضي إيران وتكون مدمرة رداً على الهجوم الصاروخي الواسع على إسرائيل، وما رأيناه فجر السبت 26-10-2024، يبدو أن الوصف المناسب هو ذاته فقد انتهى الهجوم قبل أن يبدأ.
وعندما ضرب الإيرانيون إسرائيل في هجوم صاروخي سموه “الوعد الصادق 2″، سارع الأمريكيون إلى التصريح بفشل الهجوم، وأكد الإسرائيليون أن القبة الحديدية نجحت في إفشاله، لكن الحرس الثوري الإيراني قال إن الصواريخ أصابت في غالبيتها الأهداف المحددة بدقة ونجح الهجوم. واليوم، وتعقيباً على الهجوم الجوي الإسرائيلي على 20 موقعاً إيرانياً، سارع الإيرانيون إلى القول بأن الدفاعات الجوية نجحت في التصدي، وسارع الأميركيون إلى التصريح بأن الهجوم نجح في إصابة الأهداف بدقة، وكذلك الإسرائيليون.
كأن المواقع تبدلت ولم يحدث شيء لافت في الحالتين.
إن الضربة الإسرائيلية لإيران لم تأتِ لوحدها، فهي جاءت بمشاركة أميركية من حيث الترتيب وتحديد الأهداف والمستوى، لأن واشنطن جزء من الحرب الدائرة في المنطقة وليست وسيطة كما تريد تسويق نفسها. الشعوب تدرك ذلك، والدول تدرك ذلك، وهي لا تبالي إن كانت محبوبة أو مكروهة من الشعوب العربية والمسلمة، هي تبحث عن المصلحة وليست عن المودة والمحبة، لا تبالي بالحب والكراهية، والتاريخ أثبت أنها مستعدة لدفع ثمن الكراهية والتمعن في ممارساتها ما دامت تضمن لها المصالح بأية طريقة كانت، فهي لم تغادر مرحلة إبادة الهنود الحمر واستيطان آخرين في أراضيهم. بمعنى أن نوع الهجوم الإسرائيلي على إيران جاء بترتيب مسبق مع البيت الأبيض. وهو الذي ضبط إيقاعها وقادة تل أبيب أطاعوا الأمريكيين هذه المرة على خلاف ما سبق، لكن ما هي القواعد الضابطة التي جعلت هذه الضربة بهذا المستوى؟ وعلى ماذا انبنت؟
القاعدة الأولى: هي أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد حرباً مفتوحة مع طهران، لأن حرباً كهذه في الشرق الأوسط تجد واشنطن فيها نفسها مرغمة، وهي لا تريد ذلك، لأن المنافسين الكبار ينتظرون ذلك بشوق كبير، من الصينيين والروس، وحتى الهند لا تكره تورط واشنطن لتفسح لها المجال أمام الحركة الاقتصادية كما هو الحال مع الصينيين، ولا يمكن التنبؤ بمآل هذه الحرب لو نشبت، ثم إن الأمريكيين مقتنعون تماماً بأن الصواريخ الإيرانية قادرة على الإيذاء كثيراً، لا سيما في إسرائيل.
القاعدة الثانية: هي أن الأميركيين لا يريدون الذهاب وراء همجية نتنياهو، فإذا كان الطرفان يعملان من أجل تقليم أظافر إيران في الشرق الأوسط، فهم يفعلون ذلك الآن، لأن النفوذ الاستراتيجي الإيراني في المنطقة تحجم في العراق ولبنان وسوريا واليمن، أمام مرأى الإيرانيين وهم عاجزون عن فعل شيء مؤثر، فما من داعٍ لاستفزازها وفتح حرب مباشرة معها، دعها تنظر لما يحدث لحلفائها وهي تتألم، فالأميركيون أمكر في هذه الحرب وأكثر بعداً في النظر من الغباء الإسرائيلي الذي أثار العالم كله ضده، وما حدث فجر السبت ليس سوى رسالة لإيران بأننا يمكننا أن نضرب أكثر لكننا لن نفعل لأسباب نحن نعلمها وأنتم كذلك تعلمونها. ويأتي في إطار توازن الرعب الذي يبحث قادة إسرائيل عنه، لكنهم فقدوا هذا الرعب منذ السابع من أكتوبر 2023، وبما أن جميع المراقبين كانوا على معرفة بأن إسرائيل قادرة على ضرب إيران متى ما شاءت، فما حدث في هذه الفترة هو أن إيران هي التي أثبتت أنها قادرة على الرد وهي التي ضربت لأول مرة إسرائيل منذ نشأتها.
لكن على ماذا انبنت هاتان القاعدتان؟ وكيف قبل نتنياهو الاستماع للرأي الأميركي هذه المرة؟
من منظوري، أسس يمكننا تحديدها بالتالي:
– إن أميركا ستدفع لإسرائيل لمراضاتها مقابل التزامها بالحدود التي ترسمها، هذا الدفع قد يكون عينياً أي مليارات الدولارات، وقد يكون تزويدها بالمزيد من السلاح والذخائر العسكرية.
– أنه وفي حال ردّ إيران على الضربة الإسرائيلية المتواضعة، فإن القوة العسكرية الأمريكية تشارك هذه المرة مباشرة أو غير مباشر في الهجوم على إيران، وأن واشنطن ستسمح لنتنياهو بتوسيع الضربة واستهداف منشآت اقتصادية وعسكرية إيرانية. ولهذا جاء التحذير الأمريكي سريعاً بأن الرد الإيراني على الهجوم الإسرائيلي ستكون له عواقب وخيمة.
– تلبية شروط نتنياهو فيما يتعلق بالحرب على غزة، ورفع الضغط عليه وعدم الطلب منه التراجع عن الشروط الصعبة التي يريد فرضها على حماس، أي الوقوف إلى جانبه أكثر من قبل، وكذلك على الجبهة اللبنانية، ففي لبنان يريد نتنياهو تجاوز قرار 1701 والنظر إليه على أنه غير موجود، وتثبيت واقع جديد، ولا يُستبعد أن تضغط واشنطن من أجل تحويل حزب الله إلى حزب سياسي يكون أصغر من حركة أمل، ويساعد غياب قائده التاريخي حسن نصر الله على ذلك. إن من ينظر إلى الساحة اللبنانية يعلم بأن فراغ مكانة نصر الله لن يُملأ.
هذه هي النقاط التي قامت عليها القاعدتان الضابطتان للضربة الجوية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران.
وقد يكون ذلك بداية لنهاية الحرب الدائرة أو العد العكسي لها، لكن في لبنان وليس في غزة، لأن غزة فيها ما يسمى باليوم التالي للحرب، واليوم التالي الذي تريده إسرائيل هو تتويجها سياسياً وإدارياً في الأراضي الفلسطينية، والدفع بحماس إلى خارج الملعب، وهذا ما لا يحدث.