المثقف وستراتيجية التغييب السياسي

 

 

مزهر الخفاجي

لا أدري الى كم هو صعب ان نتحدث عن دورنا في الحياة العامة او التفاعل معها رغم أن البعض يتحدث عن اكتشاف (النانو)  وصفائح السيلكون والاستعداد للرحلات السياحية للقمر والثورة في كل مناحي الاتصالات ، وأكرر ارجو أن لا نصاب بالملل ونحن نتحدث عن الحق الدستوري للمثقف في المشاركة السياسة ولأننا لانريد ان نسهب كثيرا في الحديث عن دور المثقف والأديب في هذا البلد لنطلع على هذا النص الذي كتبهُ أحد أدباء سومر والذي يقول فيه :-

 

(( ضاقت المدن ذرعاً ..

والناس …الناس قل عدد شكواهم..

ولم ينهض أحد لمواساتهم ..

ولم يلطف .. او يقلل. .. او يستوعب أحد نحيبهم..))

دور الاديب

إنها صرخة ذلك الاديب التي دونها في الالف الثالث قبل الميلاد ..رافضاً الاوضاع التي وصلت اليها البلاد ، ومعبراً بكتابته عن دور الأديب المثقف الواعي في أن يعبر عن شكوى الجموع الصامتة وأدب المعارضة وممثليها في تاريخ الدولة الأموية والعباسية جلبة في ظهور من الأسماء وفي وجود الكم الكبير من الرموز الشعرية فهاهو ابو تمام يقول :- مامر يومٌ واحد إلا وفي أحسانه

لمحبتك غمامُ..

أعوام وصلٍ كان يُنسى طولها..

ذُكر النوى فكأنها أعوامُ…

والى نفس المعنى ذهب ابو نؤاس ليصور حجم الالم الذي عاشته بغداد ، فكان لسان حالها يقول :-

يادار مافعلت بكِ الأيامُ..

ضامتك والأيام ليس تضامُ..

أيام لا أغشى لأهلك منزلاً..

إلا مراقبة على الظلامُ..

 

ولطالما كان أديب ومثقف العراق لسان حال أمته واهله ، فما ثارَّ او تمرد أو إنتفض هذا الشعب الا وكان المثقف شاعراً او كاتباً او صحفياً في مقدمة هذا الركب..

ويكفي ان نذكر دور المثقف  في مقدمات ثورة العشرين والتي كانت في الثلاثين من تشرين الاول عام 1920وتحديداً في جامع (الحيدرخانة) حيث كان سنداً وداعماً لها…

 

وكذلك حالهم في باقي الثورات والحروب التي واجهتها الأمة او العراق ، فكان شعراء العراق مهاويلاً في حضرة الغضب الشعبي ..ومقاتلين ومدافعين عن حق شعبهم ، فهذا الشبيبي الشاعر والحبوبي الشاعر والجواهري ، والكاظمي والرصافي الكاتب والصحفي ، وهذا السياب ونازك وذنون أيوب وعبدالرزاق محي الدين وفيصل السامر وغيرهم من رواد الثقافة في العراق ،والذين شكلوا بحق ضمير هذا الشعب إن لم نقل أنهم كانوا لسان حاله الباشط، لكن في النفس غصة.. ، لقد نجحت الجماعة الوطنية بعد تأسيس دولتها في عام 1921م أن تعتم على دور الشاعر الكبير الرصافي ليس كمثقف مبدع ، وإنما كأحد المنتمين الى ضباط الثورة العربية .

 

وكذلك (جميل صدقي الزهاوي) لكن هذا الظلم كان يبدوا إستثنائياً في العهود الجمهورية الأربع كاد يكون حق الممارسة السياسية للمثقف ضئيلاً وقد شابها نوعاً من الضعف إن لم نقل الأرتباك وإنتقائية واضحة الأهداف والنوايا .فقد انحاز المثقف أو الاكاديمي او الاديب لمرجعياته الفكرية ومال الى الاحتماء الى الخطاب الفوقي أو الرمزي فضعفت مساحة تأثيره الشعبوي والسياسي على الرأي العام وصاحب القرار وحين نطرح السؤال التالي …من غيب المثقفَّ … او الجماعة الثقافية من أن تكون على رأس الحركة الوطنية وفي ان تدفع برموزها وأدبائها ومثقفيها وكتابها وإعلاميها من أن يكونوا جزءاً فاعلاً في المنتظم السياسي للجماعة الوطنية …او أن تمارس دورها الفاعل في صنع القرار السياسي أو في التأثير فيه ، ولكي لا نصادر اراء بعض المثقفين في تعليل أسباب الغياب هذه فأن البعض من المثقفين  يبرر هذا الغياب .. او الانحسار في الدور أو الصمت والعزلة وذلك بالعوامل التالية :

 

العامل الاول / عدم إستقرار الاوضاع السياسية والاقتصادية في العراق قد خلق بيئة وطنية لم تمكن المثقف أياً كان جنس أدبه من أن يمارس دوره.

 

إن العمل الثقافي او الفكر وإن كان عملاً فردياً وإبداعاً بشرياً تدفع به الموهبة او الرغبة او الأرادة الشخصية لكنه كان يحتاج الى بيئة مجتمعية وسياسية وإقتصادية تأخذ بيد المثقف وتدفع به للمشاركة في عملية صنع القرار أو رسم مستقبل وتوجهات ابناءه وتعزيز المعاني الوطنية فيه.

 

لغة فوقية

 

والعامل الثاني / هناك من يقول ان الخطاب الذي تسلح به المثقف او تفاعل به مع المنتظم الاجتماعي والسياسي والحياتي ، كان يمتاز باللغة الفوقية وهي لغة يختبئ بها المثقف خلف عقل ثقافي وأيدلوجي واضح تعالياً على الهم او انحيازاً غائياً لافكاره والاي يعتقد على المتلقي فرداً وجماعة شعبوية أو وطنية أن ترتفع بمدركاتها لاستقبال منتجه الذي مر بطور الكساد وغياب التأثير، ساهمت هذه اللغة … في ترسيخ القطيعة بين المثقف او المفكر ومنتظمه المجتمعي ( والسياسي ) والوطني وكذلك ساهمت في توسيع الهوه بينهم وبين موسسات المجتمع الفاعلة وموسسات الحكومة والمنظمات والنقابات والمنتظمات السياسية .

 

العامل الثالث/وعامل الغياب الثالث يعزيه البعض الى الصراع الأزلي القائم بين المثقف والسلطة ..والتي تلخصت بعمل الحكومة ومؤسساتها الفاعلة في الاحتفاء بالمثقف الأنتهازي الموالي وتسويقه ودفعه الى الواجهة لتستخدمه كأداة لتسويق بضاعتها ودفاعاً عن برامجها السياسية ولتكرس في اداءه نموذج المثقف المتكسد والذي ستعزف عنه الجماهير لا محال  …

خاصة بعد ان عرفت وتطمنت من ضعف مكانته وغياب التأثير المجتمعي لنتاجه لذلك شهدت عصورنا التاريخية تغييب او صمت او نكوص المثقف الثوري الراديكالي الواعي ، من قبل رموز السلطة والاحتفاء بالمثقف الوصولي ..ومثل هؤلاء المثقفين قد أضاعوا على الجماعة الثقافية  حجم التأثير الشعبوي وأبعدوا بقصد حضور المثقف التنويري الواعي والذي لو كان  قد حضر لساهم في تغيير مسار العملية الوطنية ودفع بالأخذ بيد الحركة الوطنية والشعبية.

 

العامل الرابع / وقد ذهب بعض قادة الحراك الثقافي وبعض المعنيين بدراسة تطور المجتمع العراقي والذي يعزو غياب المنظر او المفكر او الكاتب العراقي وغياب حضوره الواعي والمؤثر ..إنما يعود الى إيمان ووعي وإرادة المثقف العراقي نفسه ..والتي شابها بعض التلكؤ او اليأس او عدم الأكتراث بدوره وحقه في الممارسة الممارسة السياسية فاعلاً فيها او متمرداً على اشكالها البائسة وفي قيادة الجماعة الوطنية وتغيير مسارات عملها وكان البعض يعزوا هذا النكوص الى :

 

1-غياب مدرك المثقف حجم التأثير في الحضور الفاعل .

 

2-انشغال المثقف بمشروعه الفردي التنظيري الفلسفي  الابداعي على حساب المشاكل الوطنية والعربية والعالمية المحيطة به .

 

3-تدني المستوى المعاشي للمثقف او الكاتب او الاكاديمي وغياب مستوى الاكتفاء الاقتصادي …ضيعَ وهمش حجم الحضور والتأثير والخضوع لجهات أخرى .

 

4- والبعض يقول ان غياب او تغييب دور المثقف العراقي وحقه في ممارسة دوره الوطني والثقافي في المشهد السياسي إنما يعود الى :

 

ضعف الحاضنة الاجتماعية (افراد  ، مجتمعات ، منظمات ، نقابات، وسائل اعلام ) وعدم منحها او أدراكها لأهمية ان يمارس المثقف دوره وحقه في المشاركة السياسية …بل أن هذه الحواظن مازالت تنظر الى المثقف موقف فيه إزدواجية فهو حاضراً إجتماعياً وإن مهنته اي الثقافة كأنها مهنة من المهنة لهُ.

 

5- والأمر الاخر والذي نعتقدهُ عنصراً حاسماً في تكريس مظاهر التهميش او الأقصاء او حتى التغييب إنما سببه الجهل المستشري في المشهد السياسي في العراق (رموزاً وكتلاً واحزاباً واقطاعيات اعلامية ) والتي تعتقد أن المثقف إكمال عدة او عشيرة او جمهور قابلاً لأن يكون جمهوراً مجانياً لها او حاشية لخطابها السياسي …وهو لايصلح إلا للتنظير او الكتابة والتفكير ولايصلح للأدارة او  القيادة او الزعامة والأنكى هو ان الحكومات والقوى السياسية المتحكمة بالدولة قد نجحت في تسطيح وعي الناس …وتكريس مبدأ ان (المثقف ملكاً- فهو مصون غير مسؤول – في الحكم ) وان مجاورته لصانع القرار او رموز السياسية قد يفقدها بريقها او يصادر دورها الزيادي لقدرته على صناعة خطاب ونجاحه في الاثر والتأثر…وقد نجحت الجماعة السياسية ومع الاسف في توسيع الهوة بين المثقف ومجتمعه …ومنعت مفكرين وكُتاب وأدباء وعلماء كبار في ان يمارسوا دوراً ريادياً في صنع الجماعة الوطنية ، وعزلت الجماعة الثقافية في ان تصنع رأياً عاماً  فاعلاً وقوياً وان تساهم في صناعة عقول لها القدرة في تشكيل هوية ووعي وطني قادر على استيعاب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وكرست ظاهرة عزل المثقف عن ممارسة حقه في الممارسة السياسية حتى بتنا نعتقد ان هذا التغييب او العزل جزأ يصل حد المؤامرة في عمليك التغييب هذه .

 

قد يعجبك ايضا