مقامات الهمذاني وموضوعاتها        

 

د . صباح ايليا القس

 

ورد في كتب التراث ان البديع إرتجل المقامات حتى انه اقترح على اصحابه ان يقترحوا موضوعا لكي يصوغ عليه مقامة وكانوا يقترحون عليه بعض الموضوعات وكان دوما على استعداد ليطلق المقامة المناسبة ارتجالا .

وعلى الرغم مما ورد اعلاه الا ان المنطق لا يؤيد هذا الرأي اذ ان المقامة تتطلب صياغة عقلية ادبية موضوعية لغوية لا سيما في السجع والجمل المتناسبة والمتناسقة وتدوير الفكرة والعناية بالاسلوب .

ان الامور التي حددتها تكون صعبة على الارتجال بل هي حتما بحاجة الى مزيد من الصبر والتأمل والصياغة والدقة وحسن الترتيب بين الفكرة والاسلوب . وعند استقراء بعض الكتب لم نجد ان الهمذاني ادعى ذلك نعم كانت هناك تحديات بينه وبين الحريري والخوازمي لكن جميعهم لم يدّعِ الارتجال بل يمكن ان يكون قد املاها على احد الكتاب الماهرين فاعتقد الناس انه ارتجلها والفرق كبير بين الارتجال والاملاء .

كان غرض البديع واقرانه في ابتداع فن المقامات هو اظهار القدرة والمكانة اللغوية والبلاغية والقصصية التي اتخذت من الكدية وسيلة وغرضا لكن الكدية كانت للسخرية والاضحاك واظهار المقالب واستعراض فنون الاستجداء ولكن ليست المقامات كلها للكدية والاستجداء وان كانت غرضا جديدا لم يعرفه الادب سابقا بل ان هناك اغراضا اخرى كثيرة كالوعظية والالغازية والمدحية والهجائية وغير ذلك .. مثل ما أصاب بطل المقامات عيسى بن هشام عند دخوله الحمام وما لاقاه من عجائب ومقالب ..

تقوم المقامات على قصص يخترعها المؤلف وهي حتما لا ترقى الى مستوى الفن القصصي المعروف اليوم .. اذ ان قصص المقامات لا تخضع الى معطيات القصة المعاصرة فهي تخلو من التفصيل والاتقان لان الغاية الاساسية هي متابعة المقالب والمشاكل التي يبتدعها فن المشاكسة بين البطلين المعروفين عيسى بن هشام وابو الفتح الاسكندري وما يقعان فيه من مطبات واشكالات تثير السخرية احيانا والغفلة والجهل احيانا اخرى حتى ان الكاتب يترك البطل وربما ينساه ويبقى الامر معلقا بحيث لا يستطيع المتابع ان يعثر على مصير وجواب عن ذلك البطل . واحيانا يسترسل بالمقامة ويشير الى احداثها ومواقفها وظروفها وتتحرك الشخوص ولكن الشخصية المحورية والاساسية تبقى غائبة ولا تظهر الا عند اقتراب النهاية وكأن هذا البطل هبط من السماء وهذا خلل في الصياغة القصصية .

عند الاطلاع على ما تركه البديع من انجازات النثر الفني نعرف يقينا انه يلتزم السجع الاسلوبي وهو في الرسائل اقوى في ذلك من المقامات لان المقامات تأخذه قصتها وتفرض عليه شروطها فيتماهل في السجع بينما نجد السجع واضحاً وقويا في الرسائل التي هي حتما صياغة فكرية موضوعية هو المسيطر عليها وليس شخوص المقامات .

لا يستطيع احد ان ينكر الثقافة العالية التي يجب ان يشتمل عليها الكتاب وهكذا نجد الهمذاني مثقفا بأمتياز ودليلنا انه كان يغذي انتاجه الادبي بالاشعار التي تطلقها قريحته او يستعيرها من الشعراء الآخرين شاهدا وتوثيقا للقول اذ سبق ان قلنا انه شاعر ايضا وهو لذلك يزاوج بين الشعر والنثر ..

كل ما تقدم يعطينا صورة عن طبيعة العصر الادبي الذي عاش فيه الهمذاني اذ بلغ فيه الادب منزلة لم يصلها من سبقوه لا سيما في كثرة الترجمات من السريانية والفارسية والهندية واليونانية تلك الروافد التي نقلت الذائقة الادبية من الجمود والتقوقع حول الشعر الى الانطلاق الى الفنون الادبية الاخرى كالمقالة والرسالة والمقامة التي لم يعرفها الادب العربي قبل هذا العصر .

لا بد من الاشارة الى ان الهمذاني سجّاع نثري بامتياز ولم يقتصر سجعه على جملتين فقط بل انه تحدى نفسه وجاء سابقا في ابتداع ثلاث واربع سجعات متواليات احيانا مثل قوله ( حقا اقول إن التمرة , بالبصرة , اقل خطرا من البدرة , بهذه الحضرة ) ويمكن ملاحظة توالي السجعات ( التمرة والبصرة والبدرة والحضرة ) ..

حتما يبقى بديع الهمذاني بديعا ..

قد يعجبك ايضا