مظفر العقابي
القاهرة
في ليلةٍ انشغلت فيها الأنظار ببريق الكرة الذهبية، وأسماء النجوم وأرقامهم وإنجازاتهم داخل المستطيل الأخضر، كان هناك فائز يستحق أن نتوقف أمام حكايته طويلًا؛ فائز لم تكن قيمته فيما سجله من أهداف، ولا فيما صنعه من تمريرات حاسمة، بل فيما زرعه من أمل في قلوب أطفالٍ حاصرتهم المعاناة، وكادت الحياة أن تحرمهم أبسط حقوقهم.
إنها جائزة سقراط، التي تُمنح تقديرًا للمبادرات الإنسانية والاجتماعية، والتي حصدها النجم الإنجليزي بوكايو ساكا، لاعب أرسنال، في مشهدٍ ربما لم ينل ما يستحقه من اهتمام، وسط موجة من السخرية والتعليقات التي رافقت الإعلان عنها. لكن الحقيقة أن هذه الجائزة تحمل من المعاني ما قد يفوق قيمة الكثير من الجوائز المرتبطة بالأداء داخل الملاعب.
فخلف ابتسامة ساكا، حكاية إنسانية تستحق أن تُروى. فمن خلال تعاونه مع مؤسسة «بيغ شو» الخيرية، أسهم في تمويل 120 عملية جراحية للأطفال في نيجيريا، موطن أصول والديه، إلى جانب 100 عملية أخرى في كينيا ورواندا وتنزانيا. ولم تتوقف مبادراته عند حدود العلاج، بل امتدت إلى توفير مأوى لقرية تستوعب 255 شخصًا في المغرب، والمساهمة في توفير ألف زي مدرسي لعائلات في غرب لندن، فضلًا عن تقديم منح دراسية لعشرين طالبًا على المستوى الدولي.
لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا لم تكن عند تسلُّم الجائزة، بل حين قرر ساكا أن يمنح صوته لطفلٍ في الرابعة عشرة من عمره من رواندا، من خلال قراءة رسالة كتبها ذلك الطفل، الذي فقد بصره وعاش في قرية تفتقر إلى الكهرباء، وحُرم من تفاصيل طفولةٍ يتمناها كل إنسان. وبفضل الرعاية الطبية التي أسهمت المؤسسة في توفيرها، باتت أمامه فرصة ليعيش طفولته بصورة أفضل، ويتطلع إلى مستقبلٍ أكثر أملًا.
هنا تحديدًا تتجلى القيمة الحقيقية للرياضة؛ حين تتجاوز حدود المنافسة، وتتحول شهرة اللاعب إلى وسيلة لتخفيف الألم، وفتح الأبواب المغلقة أمام من لا يملكون القدرة على تغيير واقعهم وحدهم.
قد لا يكون ساكا قد فاز بالكرة الذهبية، لكنه حمل من خلال هذه الجائزة رسالةً أعمق من كل الألقاب: أن عظمة اللاعب لا تُقاس فقط بما يحققه داخل الملعب، بل بما يتركه من أثرٍ في حياة الآخرين.
فالأهداف قد تُسعد جماهير، والبطولات قد تصنع التاريخ، لكن يدًا تمتد لإنقاذ طفل، أو عينًا تستعيد نورها، أو حلمًا يعود إلى قلبٍ صغير، تصنع مجدًا من نوعٍ آخر؛ مجدًا لا تطفئه السنوات، ولا تمحوه النتائج، ولا يحتاج إلى منصة تتويج كي يبقى خالدًا.
ذلك هو بوكايو ساكا.. نجمٌ لم يكتفِ بأن يلمع تحت أضواء الملاعب، بل اختار أن يحمل شيئًا من النور إلى حياة الآخرين.