د. كريم نوري عبد الله الدليمي
“من صراع المصالح الحزبية الى شراكة الوطن ، دعوة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية العراقية”
وندلي بقولنا: (العراق أكبر من الأحزاب: نحو اندماج سياسي يختصر التشتت ويجمع القوى الوطنية في مشروع واحد من أجل مستقبل الأجيال القادمة).
منذ سنوات طويلة ، يعيش العراق تجربة سياسية تتسم بتعدد الأحزاب والتحالفات والتيارات ، وهو تعدد يعكس تنوع المجتمع العراقي وتاريخه العميق ، وتطلعات مكوناته.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم : ليس كم حزباً سياسياً لدينا؟ بل: ماذا استطاعت هذا الأحزاب أن تقدمه للمواطن العراقي من استقرار وخدمات وفرص عمل ناجحة وتنمية وعدالة ومؤسسات دولة قوية؟
لقد أصبح من الضروري فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل الحياة الحزبية في العراق ، وحول إمكانية انتقال القوى السياسية من حالة التشتت التنظيمي والتنافس على المواقع الى مرحلة الاندماج في كيانات سياسية كبيرة، تمتلك برامج واضحه، ورؤى اقتصادية واجتماعية متكاملة ، وقيادات قادرة على تحمل المسؤولية ومحاسبة نفسها امام الشعب ، أن الدعوة الى اندماج الأحزاب العراقية ليست دعوة الى الغاء التعددية السياسية ، ولا الى فرض اتجاه واحد على الجميع ، وانما هي دعوة الى إعادة تنظيم هذه التعددية على أساس البرامج والمبادئ والمصالح الوطنية المشتركة ، بحيث تتنافس الأحزاب على أساس ما تقدمه للعراق ، لا على أساس عدد مقراتها أو حجم نفوذها أو قدرتها على توزيع المناصب.
(فالعراق أكبر من أي حزب ، وأبقى من أي زعيم ، ومصلحة شعبه يجب أن تكون فوق الحسابات التنظيمية والشخصية)
ومن هنا تنطلق فكرة: أن تتقارب الأحزاب المتشابهة في آرائها ، وان تندمج طوعاً في كيانات سياسية كبرى قد تستقر مستقبلاً جميع الأحزاب في العراق في (حزبين أو ثلاثة أحزاب أو تيارات وطنية واسعة) ، اذا اختار المواطنون ذلك من خلال عملية ديمقراطية حرة ، لا عبر قرار مفروض من جهة واحدة.
اولاً: ان كثر الأحزاب ليست مشكلة بحد ذاتها ، فالديمقراطية تقوم على حرية التنظيم والتعبير والاختلاف ، لكن المشكلة تبدا عندما تتكرر البرامج
والشعارات ، وتتشابه الأهداف المعلنة ، “بينما تتوزع القوى المتقاربة على تنظيمات صغيرة لا تستطيع دائماً تحويل أفكارها الى مشاريع واسعة التأثير”.
وهنا تبرز مجموعة من التحديات التي تستحق المعالجة؟
1-تشتت الجهود والإمكانات:
عندما تتوزع القوى التي تتفق على أهداف مشتركة بين تنظيمات متعددة ، قد تتكرر الجهود الإدارية والإعلامية والتنظيمية، وتتوزع الكفاءات والموارد بدلاً من توظيفها ضمن مشروع مشترك طويل الأمد؛ ويمكن للاندماج المدروس أن يتيح بناء مؤسسات حزبية أكثر كفاءة ، ومراكز دراسات متخصصة، وبرامج تدريب للكوادر الشابة ، وفرق اقتصادية وقانونية قادرة على اعداد حلول واقعية لمشكلات البلاد.
2-تضارب المصالح التنظيمية والشخصية:
قد تصبح المحافظة على اسم الحزب أو موقع قيادته أو حصته التنظيمية عائقاً امام التقارب بين قوى تتفق في كثير من أهدافها ، وفي هذه الحالة، يتحول التنظيم من وسيلة لخدمة المشروع السياسي الى غاية يراد الحفاظ عليها، وان الحل لا يكمن في اقصاء القيادات أو التقليل من أدوراها ، بل في بناء قواعد مؤسسية تجعل المسؤولية مرتبطة بالكفاءة والانتخاب الداخلي والانجاز ، لا بالأقدمية وحدها أو النفوذ أو العلاقات الشخصية .
3-ضعف وضوح البرامج امام المواطنين:
يحتاج المواطن الى معرفة ما الذي سيقدمه الحزب في: ( الاقتصاد ، والتعليم ، والصحة ، والإسكان ، ومكافحة الفساد ، وإصلاح الإدارة والاستثمارات للأموال العراقية والحفاظ عليها )، أما الاكتفاء بالشعارات العامة من دون أهداف قابلة للقياس فيصعب على الناخب التمييز بين البرامج ومحاسبة المسؤولين ، ويمكن للكيانات السياسية الكبرى أن تضع برامج أكثر تفصيلاً ، وتحدد أولوياتها ومصادر تمويلها ومواعيد تنفيذها ، وعلى أن تنشر تقارير دورية عن التقدم والاخفاق.
4-صعوبة بناء الثقة:
لا تبنى الثقة بالوعود وحدها وانما بالوضوح والاستمرارية والمحاسبة ، وكلما استطاعت القوى السياسية تقديم مشروع مشترك معلن ، باليات واضحة لمراقبة الأداء ، أصبح من الاسهل على المواطن تقييم ما اذا كانت تلك القوى تلتزم بما تعهدت به .
ثانياً: ما المقصود باندماج الأحزاب؟ وما الفرق بينه وبين التحالف الانتخابي؟
من الضروري التمييز بين ثلاثة مسارات سياسية مختلفة:
-التنسيق السياسي: تتفق كل الاحزاب على قضايا محددة ، مع احتفاظ كل حزب باستقلاله التنظيمي.
-التحالف الانتخابي: تتفق الاحزاب على خوض الانتخابات ضمن اطار مشترك، وفق قواعد معلنة، مع امكان احتفاظها بهويتها القانونية.
-الاندماج الحقيقي: تتفق الاحزاب على تأسيس حزب جديد أو كيان موحد، له نظام داخلي وقيادة وبرامج ومؤسسات مشتركة، وفق الإجراءات القانونية اللازمة: وقد يكون التحالف الانتخابي خطوة أولى مفيدة، لكنه لا يعني بالضرورة اندماجاً دائماً ، فالتجربة العملية قد تظهر أن بعض التحالفات تتماسك خلال الانتخابات، ثم تعود خلافاتها الى الواجهة عند توزيع المسؤوليات او تحديد السياسات، لذلك فان المطلوب ليس تغيير الأسماء والشعارات فقط، بل الانتقال من تفاهمات مؤقتة الى مؤسسات سياسية مشتركة، تتخذ قراراتها وفق قواعد واضحة، وتضمن حق الاختلاف الداخلي، وتمنع احتكار القرار من شخص أو مجموعة ضيقة، ويتيح قانون الأحزاب السياسية العراقي رقم 36 لسنة 2015، من حيث المبدأ، للأحزاب حرية التحالف، كما ينظم امكان اندماج حزب مع حزب اخر لتشكيل حزب جديد، وهذا يعني ان فكرة الاندماج ليست مجرد امنية سياسية، بل مسار بمكن العمل عليه ضمن الاطار القانوني النافذ، مع ضرورة مراجعة الإجراءات والتعليمات الرسمية ذات الصلة قبل التنفيذ.
ثالثاً: نحو حزبين أو ثلاثة؟ الفكرة هي توحيد المشاريع لا ألغاء الاختلاف الحزبي والتناحر بينها:
أن الحديث عن الوصول الى حزبين أو ثلاثة أحزاب كبرى في ( العراق)، ينبغي أن يطرح بوصفه تصوراً سياسياً طويل الأمد، لا هدفاً عددياً يفرض على المجتمع العراقية ، فليس من الضروري أن يصبح العراق نسخة من نظام سياسي اخر، ولا أن تختفي الأحزاب التي تمثل تيارات فكرية أو قومية أو دينية أو مدنية أو مصالح اجتماعية مشتركة ، فالمجتمع العراقي متنوع ، ومن حق المواطنين التعبير عن آرائهم وتشكيل احزابهم ضمن الدستور والقانون ، لكن من الممكن أن تنشأ كيانات وطنية واسعة تستوعب القوى المتقاربة ، وتتيح في داخلها تيارات واتجاهات متعددة ، بدلاً من أن ينشئ كل اتجاه تنظيمياً منفصلاً مهماً كان حجم قاعدته أو تقارب برنامجه مع الاخرين:
-تيار وطني مدني وديمقراطي:
يجمع القوى التي تتفق على بناء دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية ، وتطوير الإدارة العامة ، وتعزيز الحقوق والحريات ، وإصلاح الاقتصاد ، ومكافحة الفساد ، وترسيخ استقلال القضاء.
-تيار وطني محافظ أو اجتماعي:
يجمع القوى المتقاربة في رؤاها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، والتي تقبل التنافس الديمقراطي، وتلتزم بالدستور والتداول السلمي للسلطة، وتطرح برامج معلنه لأدارة الدولة وتحسين الخدمات.
-تيار وطني اتحادي اشتراكي:
يضم قوى تتفق على تعزيز وحدة العراق وسيادته، واحترام دستوره وتنوعه القومي والديني والمذهبي ، وتطوير العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان والمحافظات ، وضمان المشاركة العادلة في مؤسسات الدولة، هذه امثلة تنظيمية افتراضية وليست تصنيفاً نهائياً للأحزاب العراقية، ولا تعني أن هذه الاتجاهات يجب أن تنفصل على أساس الهوية أو المكون ، فقد تتقاطع القوى من الاتجاهات المختلفة في ملفات عديدة، ويمكنها اختيار الاندماج أو التحالف وفق برامجها ومواقفها الفعلية ، والاهم أن تكون المواطنة العراقية هي الاطار الجامع والاساس الذي تبنا عليه العملية الانتخابية في العراق، وأن يترك للمواطنين حق اختيار القوى التي تمثلهم وأن تبقى الأبواب مفتوحة امام الأحزاب الجديدة والتيارات المستقلة.
رابعاً: كيف يمكن تنفيذ الاندماج على أرض الواقع؟
إن الدعوة الى توحيد الأحزاب ستبقى شعاراً جميلاً ما لم تتحول الى خطة عملية، تبدأ بالحوار وتنتهي بمؤسسات مشتركة قابلة للمحاسبة المستمرة.
وفيما يأتي مجموعة من المقترحات التي يمكن أن تشكل اساساً لمشروع وطني اشتراكي جاداً وحراً :
اولاً: تأسيس لجنة وطنية مستقلة للحوار والاندماج:
تشكل لجنة توافقية بمشاركة ممثلين عن الأحزاب الراغبة في الحوار، وخبراء في القانون الدستوري والاقتصاد والإدارة العامة، وشخصيات أكاديمية ومجتمعية مستقلة، وتكون مهمتها الأساسية أن تيسر وتسهل الحوار بين الأحزاب ، وتحديد نقاط الاتفاق والخلاف ، ووضع مبادئ إجرائية عادلة، من دون أن تفرض على أي حزب الاندماج أو تتدخل في قراره الداخلي ، وينبغي أن تنشر اللجنة نتائج أعملها ، وأن تعتمد الشفافية في اجتماعاتها ومخرجاتها، حتى لا تتحول الى منصة لتقاسم النفوذ بين القيادات.
ثانياً: اعداد خريطة للأحزاب المتقاربة:
تبدأ العملية بحصر الأحزاب الراغبة في الحوار ، ثم دراسة برامجها وأنظمتها الداخلية ومواقفها المعلنة، وتحديد مجالات التقارب والاختلاف بينها، ولا يكون المعيار هو الانتماء المذهبي أو القومي أو الاقتصادي والسياسي ، والموقف من الدستور والحريات العامة ، وسيادة القانون وإدارة الدولة، ومكافحة الفساد.
ثالثاً: اعداد ميثاق وطني مشترك:
قبل الاتفاق على القيادة أو الاسم أو الحصص ينبغي الاتفاق على وثيقة سياسية مختصرة تتضمن المبادئ الأساسية للكيان الجديد : ومنها:
-الالتزام بالدستور وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة.
-احترام المواطنة المتساوية والتنوع العراقي.
-استقلال القضاء ومكافحة الفساد وحماية المال العام.
-حصر السلاح بيد الدولة وفق الدستور والقانون .
-عدم استغلال مؤسسات الدولة أو الوظيفة العامة للمصلحة العامة.
-اعتماد الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص في تولي المسؤوليات.
-احترام حرية التعبير والصحافة والتعددية السياسية.
-رفض العنف والاكراه السياسي ، وضمان حق المواطنين في اختيار احزابهم.
رابعاً: ربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة الشعبية:
ينبغي أن يلتزم الكيان الجديد بنشر برنامجه الانتخابي، وأسماء قيادته، ومصادر تمويله وفق القانون ، واليات اختيار مرشحيه وتقارير سنوية عن إنجازاته، كما ينبغي ان تكون لدية الية لاستقبال شكاوى المواطنين وإعلان مواقفه من القضايا العامة، ومراجعة وعوده الانتخابية في الاستجابة لحاجات المواطنين:
فالهدف من الاندماج: ليس زيادة عدد المقاعد أو تقوية موقع القيادات من اجل التفاوض فقط، بل العمل على توحيد الخطاب العراقي لجميع القوميات والأديان التي تعيش في ارض العراق على قلب رجل واحد يذودون في الدفاع عن ارض الوطن وابعاد شبح الطائفية والعنصرية المغيثة:
وفي الختام:
أن توحد الأحزاب العراقية ضمن كيانات سياسية كبرى تحت شعار (( العراق أولاً)) ، يمثل خطوة مهمة نحو بناء دولة قوية ومستقرة، تتقدم فيها المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية ، وترسخ فيها الوحدة والإصلاح وخدمة المواطن اساساً للعمل السياسي، وندعو الأحزاب السياسية ان تندمج بحزبين او ثلاثة أحزاب من اجل تقديم المصلحة الوطنية على المصحة الشخصية من اجل بناء العراق العظيم وتامين مستقبل الأجيال القادمة والعبور بالعراق الى بر الأمان: وعلى كل الأحزاب والكيانات والكتل ان تعي خطورة توسع الأحزاب وتفرق القرار كلما تجمعت هذه الكتل السياسية واندمجت بعضها مع البعض الاخر أي الكتل الصغير عليها ان تندمج في الكتل الكبيرة وتصبح جميعها (ثلاثة أحزاب تعمل لصالح العراق كي ينهض العراق من ركام الاخطار المحيطة به ).
وبدورنا نقول: “” أن الأوطان لا تبنى بتفرق القوى، ولا تنهض بصراع المصالح، بل تتقدم حين تتوحد الارادات وتلتقي الرؤى تحت راية الوطن ، فالعراق اكبر من جميع الأحزاب، واسمى من كل المصالح الضيقة ، وتاريخه، يستحق أن تتوحد قواه السياسية في كيانات وطنية كبرى ، تجعل مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وتضع بناء الدولة واستقرارها وكرامة مواطنيها هدفاً مشتركاً فحين تتوحد الأحزاب من اجل العراق، لا يخسر احد، بل يربح الوطن ومستقبل اجياله””