نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست بعض الرحلات انتقالاً من مكان إلى آخر، بل هي رحلة في أعماق الإنسان، تستعيد طفولة تركت بصماتها في الوجدان، وتستحضر محطات فكرية وروحية أسهمت في تشكيل الوعي، وتفتح أبواب الأسئلة حول الإيمان والتراث والسياسة وموقع الإنسان في هذا العالم المتغير.
بهذا الأفق الإنساني والفكري، أقام ملتقى العشرة كراسي، عصر اليوم السبت 17 تشرين الأول 2026، في مكتبة دار الفرات للثقافة والإعلام بمدينة الحلة، أمسية حوارية بعنوان (من الشطرة إلى أمريكا – نقش في الذاكرة)، استضاف فيها فضيلة المفكر الاسلامي المغترب الشيخ طالب السنجري، بحضور عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري. وقد توليت تقديم الأمسية وإدارة حوارها، الذي انطلق من سيرة الضيف وتجربته الإيمانية، ليتسع إلى قضايا الفكر الديني وتحولات الموقف من الإسلام السياسي وأسئلة الإصلاح والتجديد.
كانت الشطرة، بما تمثله من ذاكرة المكان وأصالة البيئة الاجتماعية، نقطة البداية في رحلة الشيخ طالب السنجري؛ رحلة حملته من فضاءات الطفولة والتكوين الأول إلى النجف الأشرف، ثم إلى مدن إيرانية احتضنت دراسته الحوزوية، قبل أن تمتد به التجربة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يقيم حالياً في ولاية ميشيغان. وبين هذه المحطات تتشكل سيرة لا تختصرها الجغرافيا، لأنها تتصل أيضاً بتحولات الإنسان في فهمه للحياة والإيمان والمجتمع.
توقف الحوار عند مراحل من تكوينه العلمي والديني، وما تركته الدراسة الحوزوية والاحتكاك بالمدارس الفكرية من أثر في رؤيته. فالمعرفة، حين تتجاوز حدود التلقي، تضع صاحبها أمام مسؤولية السؤال والمراجعة، وتدفعه إلى إعادة النظر في المسلمات التي اعتاد المجتمع التعامل معها بوصفها حقائق نهائية.
كما تناولت الأمسية تجربته السياسية السابقة، وانخراطه في صفوف الاخوان المسلمين ومن ثم حزب الدعوة الإسلامية منذ عام 1970، وما أعقب ذلك من مراجعات ومواقف نقدية تجاه الإسلام السياسي وتجارب الحكم الحزبية. وهي تجربة تفتح مجالاً للحوار حول العلاقة بين الدين والسياسة، وحدود توظيف العقيدة في الصراع على السلطة، والفرق بين الإيمان بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، وبين تحويله إلى أداة في إدارة الدولة والمجتمع.

لم يكن الحديث عن هذه التحولات استعادة للماضي فحسب، بل محاولة لفهم أثر التجربة في بناء الموقف الفكري الراهن. فالإنسان الذي يعيد قراءة مسيرته بوعي نقدي لا يتنكر بالضرورة لماضيه، وإنما يحاول أن يفهمه، وأن يميز بين ما بقي راسخاً في وجدانه وما استدعى المراجعة والتغيير.
في هذا السياق، برزت أفكار الشيخ السنجري المرتبطة بالدعوة إلى إعمال العقل في قراءة التراث الإسلامي، وضرورة إخضاع الموروث للفحص والحوار، بعيداً عن الجمود أو التسليم غير المشروط. كما حضرت قضايا التعايش السلمي، والفقه الوطني، ونبذ الطائفية والمحاصصة، بوصفها موضوعات تتصل بمستقبل المجتمع العراقي وحاجته إلى بناء دولة تتسع لجميع مواطنيها، وتستند إلى المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
إن الدعوة إلى مراجعة التراث لا تعني القطيعة معه، كما أن احترام الموروث لا ينبغي أن يتحول إلى تعطيل للعقل. وبين هذين الموقفين تتسع مساحة الاجتهاد المسؤول، الذي يقرأ النصوص في سياقاتها، ويميز بين الثابت والمتغير، ويضع كرامة الإنسان ومصالح المجتمع في صميم النقاش. فالتجديد الحقيقي لا يقوم على الشعارات، وإنما على الشجاعة في طرح الأسئلة، والاستعداد لمناقشة الأفكار، وقبول الاختلاف من دون تخوين أو إقصاء.
تأتي مؤلفات الشيخ طالب السنجري ومقالاته ورسائله الفكرية ضمن هذا المسار من الاشتغال الديني والثقافي، وقد تجاوزت (90) مؤالفاً وتحقيقاً، ومن بينها كتابه (روائع التشبيهات القرآنية والنبوية والعلوية)، الصادر عام 1994، الذي يعكس جانباً من اهتمامه باللغة والصورة البلاغية في النصوص الدينية.
لقد منحت الأمسية عنوانها دلالة تتجاوز حدود السيرة الشخصية؛ فـ(النقش في الذاكرة) هو ما تتركه الأمكنة الأولى في أرواحنا، وما تصنعه التجارب من تحولات في وعينا، وما يبقى من الأسئلة بعد أن تتغير البلدان والمسافات. وقد تكون الهجرة انتقالاً بالجسد إلى وطن جديد، لكن الذاكرة تظل تحمل الوطن الأول بما فيه من وجوه وملامح وقيم وتجارب.
من هنا، فإن رحلة الشيخ طالب السنجري من الشطرة إلى أمريكا لم تكن مجرد مسار جغرافي، بل مناسبة للتأمل في علاقة الإنسان بجذوره، وفي قدرة التجربة على إعادة تشكيل الأفكار والمواقف. فالمسافة بين المكان الأول والمكان الأخير تقاس بالكيلومترات، أما المسافة بين اليقين الأول والرؤية اللاحقة، فتقاس بما يكتسبه الإنسان من معرفة، وما يمتلكه من شجاعة لمراجعة ذاته. وتؤكد هذه الأمسية، التي احتضنتها مكتبة دار الفرات للثقافة والإعلام ضمن نشاطات ملتقى العشرة كراسي، أهمية اللقاءات الثقافية التي تمنح التجارب الإنسانية والفكرية مساحة للحوار، وتتيح للمثقف أن يصغي ويناقش ويختلف، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والاصطفافات الضيقة.
فالثقافة ليست استعراضاً للمعلومات، بل ممارسة للحوار، والإيمان ليس بديلاً عن العقل، والاختلاف لا ينبغي أن يكون سبباً للخصومة. وما نحتاج إليه اليوم هو فضاء عراقي يتسع للأسئلة الجادة، ويعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية المعرفة والسياسة والدين.