ماذا نعرف عن السينما الصينية؟

تانيا ملكشاهي

عندما نتحدث عن السينما العالمية، تتجه الأذهان غالباً إلى هوليوود أو السينما الأوروبية، وربما إلى السينما الهندية واليابانية. غير أن السينما الصينية استطاعت، خلال العقود الماضية، أن تفرض حضورها بقوة على الخريطة السينمائية العالمية، ليس فقط بفضل اتساع سوقها، وإنما أيضاً بما تمتلكه من تاريخ طويل وتجارب فنية متنوعة، وبما تقدمه من أفلام تجمع بين الثقافة الصينية العريقة ومتطلبات الصناعة السينمائية الحديثة.

فالسينما في الصين ليست مجرد صناعة للترفيه، بل هي في جانب مهم منها مرآة لتحولات المجتمع الصيني، وتاريخه، وعلاقته بالتراث، والحداثة، والهوية، والأسرة، والمدينة والريف. ومن هنا، فإن التعرف إلى السينما الصينية يفتح نافذة مختلفة على الصين نفسها.

وصل فن السينما إلى الصين في نهاية القرن التاسع عشر، وسرعان ما بدأ الصينيون في إنتاج أفلامهم، لتتطور الصناعة تدريجياً خلال القرن العشرين، رغم ما شهدته البلاد من اضطرابات سياسية واجتماعية وحروب وتحولات كبرى.

ومع قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، دخلت السينما مرحلة جديدة ارتبطت فيها صناعة الأفلام بالمؤسسات الحكومية، وأصبحت الأفلام وسيلة مهمة للتثقيف والتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية.

لكن التحول الكبير في تاريخ السينما الصينية جاء في العقود اللاحقة، ولا سيما مع الإصلاح والانفتاح، عندما بدأت أجيال جديدة من المخرجين في البحث عن أساليب مختلفة للتعبير السينمائي.

يُعد ما يعرف بـ«الجيل الخامس» من أهم المحطات في تاريخ السينما الصينية الحديثة. ويشير المصطلح بصورة أساسية إلى مجموعة من المخرجين الذين تخرجوا من أكاديمية بكين للسينما في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وكان من أبرزهم تشن كايغه، وتشانغ ييمو، وتيان تشوانغ وغيرهم.

وقد حمل هذا الجيل معه رؤية جديدة للصورة السينمائية، مبتعداً عن كثير من القوالب التقليدية، ومتجهاً نحو الاهتمام بالتاريخ والثقافة والإنسان الصيني، مع عناية خاصة بالتكوين البصري والألوان والرموز.

وكان فيلم «الأرض الصفراء» (Yellow Earth) للمخرج تشن كايغه، الذي صُوّر بواسطة تشانغ ييمو، من الأعمال التي لفتت الأنظار إلى هذا التحول، قبل أن تأتي أفلام أخرى لتؤكد أن السينما الصينية قادرة على الوصول إلى المهرجانات والجمهور العالمي.

ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت بهذه المرحلة أفلام مثل (الذرة الحمراء – Red Sorghum) و(ارفع الفانوس الأحمر – Raise the Red Lantern)، و(وداعاً يا خَليلتي – Farewell My) وهي أفلام أسهمت في تعريف الجمهور العالمي بجماليات السينما الصينية وخصوصيتها.

يبرز المخرج الصيني تشانغ ييمو بوصفه واحداً من أشهر الأسماء التي خرجت من تجربة الجيل الخامس. وقد تميزت أفلامه بقوة الصورة والألوان، وبقدرته على تحويل التفاصيل البصرية إلى جزء أساسي من الحكاية.

ولم يقتصر عمله على الأفلام التاريخية أو الفنية، بل انتقل أيضاً إلى الأعمال ذات الطابع الجماهيري، ومنها أفلام الحركة والفانتازيا التاريخية، وهو ما ساعده على الوصول إلى جمهور أوسع داخل الصين وخارجها.

أما المخرج تشن كايغه، فهو من الأسماء البارزة الأخرى، وقد ارتبط اسمه خصوصاً بفيلم «وداعاً يا خليلتي»، الذي أصبح واحداً من أشهر الأفلام الصينية على المستوى الدولي.

إذا كان الجيل الخامس قد اهتم كثيراً بالتاريخ والريف والذاكرة والثقافة الصينية، فإن أجيالاً لاحقة من المخرجين اتجهت بصورة أكبر إلى المدينة والحياة اليومية والتحولات الاجتماعية.

وفي منتصف التسعينيات ظهر ما يسمى غالباً بـ(الجيل السادس)، الذي اتجه عدد من مخرجيه إلى تصوير الحياة الحضرية، والشباب، والتحولات الاجتماعية، والتجارب الفردية، بعيداً عن بعض السرديات الكبرى التي ميزت أفلام الجيل السابق.

وهكذا أصبحت السينما الصينية أكثر تنوعاً؛ فهناك الفيلم التاريخي، والاجتماعي، والرومانسي، والكوميدي، وأفلام الحركة والفنون القتالية، إضافة إلى الأفلام المستقلة والوثائقية وأفلام الخيال العلمي.

من الصعب الحديث عن السينما الصينية من دون التوقف عند أفلام الفنون القتالية، أو ما يعرف بـ(الووشيا) فقد ساهم هذا النوع في تقديم صورة مختلفة عن الثقافة الصينية للجمهور العالمي، من خلال المزج بين الحركة والشعرية والفلسفة والأساطير.

وفي هذا السياق، برزت أفلام مثل (النمر الرابض، التنين الخفي) التي ساعدت على توسيع انتشار أفلام الفنون القتالية الصينية في الأسواق العالمية، وأثبتت أن الفيلم الصيني يستطيع أن يجمع بين الخصوصية الثقافية والجاذبية العالمية.

لم تعد السينما الصينية اليوم مجرد سينما تبحث عن الاعتراف الدولي، بل أصبحت صناعة ضخمة لها جمهورها المحلي الواسع وقدرتها الكبيرة على إنتاج الأفلام وتوزيعها.

ووفق بيانات الإدارة الوطنية للسينما في الصين، بلغ إجمالي شباك التذاكر في البلاد خلال عام 2025 نحو 51.832 مليار يوان، مع تسجيل نحو 1.238 مليار زيارة لدور السينما، فيما بلغت حصة الأفلام الصينية المحلية نحو 79.67 في المئة من إجمالي الإيرادات. كما بلغ عدد شاشات السينما في المدن الصينية أكثر من 93 ألف شاشة.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الجمهور الذي تستند إليه الصناعة الصينية، وعن قدرة الأفلام المحلية على منافسة الإنتاجات الأجنبية داخل السوق الصينية.

كما تجاوزت قيمة سلسلة صناعة السينما الصينية، وفق تقديرات رسمية، 817.2 مليار يوان خلال عام 2025، إذا ما أخذنا في الاعتبار الإنتاج والتوزيع والعرض والقطاعات والخدمات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بصناعة الأفلام.

ومن أبرز مؤشرات التحول في السينما الصينية الحديثة الصعود الكبير لأفلام الرسوم المتحركة. ويأتي فيلم «ني تشا: ولادة الشيطان»  مثالاً لافتاً على قدرة صناعة الرسوم المتحركة الصينية على إنتاج أعمال ضخمة مستندة إلى الأساطير والشخصيات التقليدية الصينية، ولكن بلغة سينمائية حديثة.

وهنا تظهر إحدى نقاط قوة السينما الصينية المعاصرة: العودة إلى التراث والأساطير المحلية، ولكن من خلال تقنيات حديثة وأساليب سرد قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة.

ربما تكمن خصوصية السينما الصينية في محاولتها المستمرة لتحقيق التوازن بين أمرين: الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على العالم.

فالفيلم الصيني يستطيع أن يستمد موضوعه من التاريخ القديم، أو من الأسطورة، أو من حياة الأسرة الصينية، لكنه يستخدم في الوقت ذاته لغة سينمائية عالمية في التصوير والمونتاج والمؤثرات الخاصة والسرد.

ولهذا لم تعد السينما الصينية مجرد وسيلة لتعريف العالم بالصين، بل أصبحت جزءاً من القوة الثقافية الناعمة للصين، وأداة للتواصل مع الجمهور العالمي من خلال الصورة والقصة والشخصيات.

ماذا نعرف إذن عن السينما الصينية؟

ربما لا يمكن اختزال السينما الصينية في نمط واحد، فهي سينما تحمل في داخلها تاريخاً طويلاً من التحولات، وتضم أفلاماً فنية وفلسفية إلى جانب أفلام الحركة والكوميديا والرسوم المتحركة والإنتاجات الجماهيرية.

وإذا كان «الجيل الخامس» قد فتح أمام السينما الصينية أبواب المهرجانات العالمية، فإن الأجيال اللاحقة وسّعت دائرة الموضوعات والأساليب، بينما تعمل الصناعة الحالية على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والسوق المحلية الهائلة للوصول إلى جمهور أكبر داخل الصين وخارجها.

إن معرفة السينما الصينية لا تعني معرفة مجموعة من الأفلام والمخرجين فحسب، وإنما تعني الاقتراب من مجتمع مرّ خلال القرن الأخير بتحولات عميقة. وفي كثير من الأحيان، يمكن قراءة التاريخ الصيني الحديث من خلال شاشات السينما، حيث تختلط الذاكرة بالخيال، والتقاليد بالحداثة، والمحلي بالعالمي.

وفي عالم تتنافس فيه الثقافات على الحضور والتأثير، تبدو السينما الصينية اليوم واحدة من أهم التجارب التي تستحق أن نتوقف أمامها، لا باعتبارها سينما (صينية) فحسب، بل باعتبارها جزءاً متنامياً من المشهد السينمائي العالمي.

قد يعجبك ايضا
∧