إذا انهار المنبر… لن تنقذنا الجدران

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي

الخطر على كوردستان لا يبدأ دائمًا من الحدود… أحيانًا يبدأ من كلمة!
قد تبني الدولة أقوى المؤسسات، وقد تحمي القوات المسلحة والبيشمركة الأرض، وقد تصدر القوانين لحماية الحقوق، لكن كل ذلك يمكن أن يتعرض للخطر إذا تُركت عقول الشباب فريسةً للتطرف والكراهية وخطاب الفتنة. ولهذا فإن المعركة الأخطر اليوم هي معركة الوعي، وهنا تبدأ المسؤولية التاريخية لعلماء الدين.
فالمنبر ليس مكانًا لإلقاء الكلمات فقط، والعالم ليس مجرد ناقلٍ للمواعظ؛ إنهما مسؤولية وأمانة وتأثير. كلمة واحدة من فوق المنبر قد تطفئ فتنة، وكلمة أخرى قد تشعلها. ولهذا فإن صمت العلماء أمام خطاب الكراهية ليس حيادًا، بل خسارة للمجتمع.
لقد بنت كوردستان قوتها على التعايش، وعلى احترام المسلم والمسيحي والإيزيدي والكاكائي وسائر المكونات، وأصبحت هذه التجربة جزءًا من صورتها الوطنية. وكان للمرجع القائد السيد مسعود البارزاني دور بارز في ترسيخ هذه الرؤية، والتأكيد على الاعتدال والتسامح والوحدة، وعلى أن علماء الدين شركاء في حماية المجتمع وصيانة استقراره.
كما أن مسؤولية رئيس مجلس الوزراء السيد مسرور البارزاني تتجاوز إدارة المؤسسات والخدمات؛ فترسيخ الاستقرار وحماية حقوق المكونات وتعزيز التعايش جزء من بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء حقيقيون في الوطن والمستقبل.
وفي هذه المعركة يقف وزير الأوقاف والشؤون الدينية الدكتور بشتيوان صادق أمام مسؤولية حساسة: من يحمي المنبر من التطرف؟ ومن يمنع خطاب الكراهية من الوصول إلى عقول الشباب؟ إن الوزارة مطالبة بأن تجعل الخطاب الديني أكثر قربًا من قضايا المجتمع، وأكثر قدرة على مواجهة التطرف، وأكثر وضوحًا في الدفاع عن التعايش والاعتدال واحترام الآخر.
كما أن رئيس اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان الدكتور عبدالله ويسي أمام مسؤولية كبيرة في قيادة العلماء نحو خطاب ديني يواجه الفتنة بدل أن ينتظر نتائجها، ويحصّن الشباب بدل أن يبحث عنهم بعد انحرافهم، ويجمع المجتمع بدل أن يسمح للخلافات أن تتحول إلى عداوات.
المشكلة ليست في اختلاف الناس؛ المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية.
ولهذا يجب أن تكون رسالة العلماء بلا مجاملة: لا أحد يملك الدين ليستخدمه ضد أخيه، ولا أحد يملك الحق في تحويل المسجد إلى منصة للتحريض، ولا يجوز أن تصبح القومية أو المذهب أو الدين سببًا لإهانة إنسان أو إقصائه.
إن كوردستان لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأصوات التي تفرق، بل إلى أصوات شجاعة تقول الحقيقة: التعايش ليس ضعفًا، والتسامح ليس تنازلًا، واحترام الآخر ليس خروجًا عن الدين؛ بل هو قوة المجتمع وأساس أمنه.
فالبيشمركة تحمي الأرض، والحكومة تحمي المؤسسات، والقانون يحمي الحقوق، لكن العلماء يحرسون الضمير.
وإذا نجحنا في حماية ضمير المجتمع، فلن تستطيع الفتنة أن تهدم ما بنيناه. أما إذا تركنا الشباب وحدهم أمام التطرف والشائعات وخطاب الكراهية، فلن تكفي كل الجدران لحماية وطننا.
لذلك، فإن المعركة اليوم واضحة: إما أن يكون المنبر حصنًا يحمي كوردستان، أو يتحول الصمت إلى باب تدخل منه الفتنة.
احموا المنبر قبل أن تحميوا المجتمع… واحموا الشباب قبل أن تخسروهم… واحموا التعايش قبل أن يصبح الدفاع عنه متأخرًا.
كوردستان لا يحميها السلاح وحده؛ يحميها أيضًا وعيٌ لا يسمح للفتنة بأن تجد لها مكانًا بين أبنائها.

قد يعجبك ايضا
∧