متابعة التآخي
لا تكفي مراقبة وقت الشاشة لفهم تأثير الإعلامالرقمي في الأطفال، فسرعة المحتوى وكثافة المثيراتقد تضعف التأمل والفهم وتنظيم المشاعر. ويمنحالإعلام البطيء الطفل وقتًا لمتابعة القصة، واستيعابالمفاهيم، وبناء التعاطف، وتحويل المشاهدة إلىتجربة ذات معنى. لذلك ينبغي تقييم إعلام الأطفالوفق إيقاعه وقدرته على حماية الانتباه…
لا تكمن مشكلة إعلام الأطفال في مدة الجلوس أمامالشاشة وحدها، بل في السرعة المتزايدة التي تُقدَّمبها الصور والأصوات والمكافآت، بما قد يحرم الطفلمن الوقت اللازم للفهم والتأمل وتنظيم المشاعر. وتوضح ناتاليا كوتشيركوفا في مجلة «Aeon» أنجودة المحتوى ترتبط أيضًا بإيقاعه، داعية إلى«إعلام بطيء» يترك للطفل مساحة لاستكمال فعلالانتباه، وبناء المعنى، وتحويل ما يشاهده إلى تعلمولعب وفهم اجتماعي.
أنا عند بوابة المطار أنتظر موعد الإقلاع، وأراقبالمسافرين وهم يسرعون أمامي حاملين حقائبهم ذاتالعجلات وأكواب القهوة الورقية. يجلس صبي صغيرساكنًا جدًا بجانب أمه. يمسك جهاز آيباد قريبًا منصدره، يكاد يقبض عليه بتشنج، متشبثًا بالشاشةكما لو أنها قد تهرب منه إن تركها. أسمع تصفيقًاعاليًا وأصوات أطفال حادة. أميل إلى الأمام فأرىشخصية كرتونية باللون الأخضر تنتزع لعبة منشخصية أخرى باللون الوردي. تبدأ الشخصيةالوردية بالبكاء، وتتطاير الدموع من عينيهاالضخمتين كالرذاذ. تصرخ الشخصية الخضراءمعتذرة. وفورًا تتوقف الدموع، وتحل ابتسامة عريضةمحلها قبل أن أتمكن حتى من أن أرمش. وقبل أنأتمكن من معرفة ما إذا كانت الشخصيات تتحدثالإنجليزية أم العربية، كما تفعل الأم مع الصبي،يكون المشهد قد تغير، وتصبح الشخصيتان فيقارب تجدفان على خلفية أغنية عشوائية. تتحرك عيناالصبي على الشاشة بسرعة من اليمين إلى اليسار،ثم إلى الوسط، ثم إلى الأسفل. جسده ساكن، لكنانتباهه يُساق مسرعًا من إشارة إلى أخرى.
عادة ما يُحكم على إعلام الأطفال من خلال المحتوىوالكمية: كم دقيقة شاهد الطفل؟ وهل كان المحتوىتعليميًا؟ مناسبًا لعمره؟ متنوعًا؟ مشجعًا للسلوكالاجتماعي الإيجابي؟ تجاريًا؟ آمنًا؟ وهذه أسئلةمهمة، وقد درستها مع زملائي من خلال التجارب،وأسهمنا في وضع إرشادات أو لوائح أو أدواتللمصممين. لكننا كنا نغفل سمة تصميمية أكبر ربماتكون بالقدر نفسه من الأهمية: مقدار الوقت الذيتمنحه الوسيلة للطفل لكي يصنع المعنى.
فقد يحتوي برنامج أو تطبيق على دروس جيدة، لكنهيتحرك بسرعة أكبر مما يسمح لهذه الدروس بأنتستقر. ففي مسلسل الرسوم المتحركة التعليميالأميركي Ask the StoryBots، الذي عُرض بينعامي 2016 و2020، قد يكون الموضوع غنيًا فعلًا: لماذا السماء زرقاء؟ كيف تعمل العينان؟ من أين تأتيالكواكب؟ لكن الشرح يجري عبر نكات سريعة،وأغانٍ، وتحولات بصرية، وتغييرات مفاجئة فيالأسلوب. وقبل أن يتاح للطفل وقت للبقاء مع صورةأو فكرة واحدة، يكون المشهد قد انتقل إلى المشهدالتالي في دفعة جديدة من المعلومات.
تفرض الوسائط المختلفة متطلبات زمنية مختلفة؛فالكتاب المصور الرقمي، واللعبة، والحلقة التلفزيونية،والتطبيق، كل منها يطلب من الطفل نمطًا مختلفًا منالانتباه. لكن السؤال المهم، عبر جميع الوسائط، هوما إذا كان الإيقاع يناسب التجربة التي تزعم القصةأنها تدعمها. هل تمنح الأطفال وقتًا لمتابعة القصة،وفهم المفهوم، والتماهي مع شخصية، وتنظيممشاعرهم، أو مشاركة الانتباه مع شخص آخر؟ أمأنها تدفعهم باستمرار نحو الإشارة التالية، والمكافأةالتالية، والدفعة التالية من التحفيز؟
عندما تتحرك الوسائط بسرعة مفرطة، تنهار طبقاتالتجربة بعضها داخل بعض. فقد يضحك الطفل علىشخص ينزلق فوق قشرة موز، لكنه لا يقلد سوىالسلوك المضحك الظاهر، ويفوته الترقب والانقلاباللذان يجعلان النكتة تعمل. وقد تواسي شخصيةصديقًا، لكن إذا انتقل المشهد سريعًا، فلن يتاحللطفل إلا وقت قليل ليدرك عملية الإصلاح العاطفيأو ليتخيل أنه يستطيع فعل الشيء نفسه في غرفةرياض الأطفال. ولكي ينمي الطفل التعاطف فيالسنوات الأولى، عليه أن يلاحظ أن شخصًا آخريشعر بشيء مختلف. وهذا الفعل الصغير المتمثلفي العبور إلى شعور الآخر يحتاج إلى وقت.
وبهذا المعنى، فإن الإيقاع ليس سمة أسلوبية صغيرةفي إعلام الأطفال. إنه إحدى الطرق التي يتصوربها الإعلام الطفل نفسه. فهل الطفل مستهلك ينبغيالاحتفاظ به؟ أم جهاز عصبي ينبغي تحفيزه؟ أموعاء ينبغي ملؤه بالمحتوى التعليمي؟ أم شخص مايزال انتباهه في طور التكوين، ولذلك يحتاج إلى وقتلكي يصل بنفسه؟
يميل الأشخاص الذين يقلقون بشأن الأطفالوالشاشات إلى القلق بشأن المحتوى العنيف، أوالإعلانات، أو ما إذا كان تطبيق لتعليم الأصواتيصف نفسه بأنه «تعليمي» يدعم فعلًا تعلمالأصوات. وهذه مخاوف معقولة، وأنا أشاركهم إياها. لكن اقضِ خمس دقائق فقط في مشاهدة مايشاهده كثير من الأطفال الصغار، وسترى مدىالسرعة والصخب والسطوع الذي أصبح عليه كلشيء على الشاشة. ولا فرق في ذلك بين طفليشاهد على هاتف ذكي داخل السيارة وآخر يشاهدالتلفزيون في المنزل. لقد ورثت الشاشة منطقتصميم وسائل الإعلام الخاص بالبالغين.
وهذا المنطق هو، في معظمه، منطق اقتصاد الانتباه. فهو يغمر المشاهد بالمثيرات ويتحدث بصوت أعلىمن كل شيء، بما يجعل من الأسهل على الشاشةتوجيه المشاهد. وقد أدخل اقتصاد الانتباه مجموعةكاملة من خصائص التصميم الصغيرة التي تعملعلى اختصار الوقت. فزر الإعجاب أسرع من كتابةتعليق يعبر عن التقدير. ويخبرنا شريط التقدم بعددالدقائق المتبقية في المقال قبل أن نكون قد قررناأصلًا ما إذا كنا سنكمله. وبصورة متزايدة، يظهرالذكاء الاصطناعي بجوار الوثائق الطويلة بعرضيبدو مساعدًا لكنه يحمل فلسفة كاملة: هذا النصطويل، هل تريد ملخصًا سريعًا؟
هناك، بالطبع، خصائص تعمل في الاتجاه المعاكس. فالرسالة المؤجلة، والنافذة المنبثقة التي تسأل: «هلأنت متأكد من أنك تريد الحذف؟» مثالان على ذلك. مثل هذه الخصائص تقاطع الفعل التلقائي وتعيدجزءًا من الحكم إلى المستخدم. كما أن الفيلمالوثائقي الطبيعي، بما يملكه من تسلسل خطيوحضور تفسيري لصوت بالغ، يقدم نموذجًا ممتازًالإعلام الأطفال. ففي برنامج Prehistoric Planet،الذي عُرض بين عامي 2022 و2025، يشجع تعليقديفيد أتينبورو الصوتي وتقريب الكاميرا الأطفالعلى النظر عن قرب والتساؤل بشأن أشكال الحياةغير المألوفة. لكن هذه أمثلة استثنائية داخل نظامأوسع يعامل السرعة بوصفها الوضع الافتراضي.
عندما يزدحم التعلم بمحتوى يقفز باستمرار إلىالأمام، تظهر أزمة، ثم تبدأ مهمة، ثم تنطلق مركبةفضائية، ثم يُفتح باب، يُعاد تشغيل انتباه الطفل معتقديم كل مشكلة ثم حلها فورًا. وقد تشير مثل هذهالوسائط إلى العمل الجماعي أو المثابرة، لكن سرعةالشكل تترك وقتًا ضئيلًا لكي تترسخ هذه الدروس.
ففي مسلسل الرسوم المتحركة Paw Patrol، الذيبدأ عرضه عام 2013، تكون عملية الإنقاذ واضحةومطمئنة: شخص في مشكلة، فتجتمع الجراء،ويستخدم كل منها مهارة، ثم يعود النظام. لكنالانتقال من المشكلة إلى الإنقاذ ثم الحل يكون غالبًافعالًا وسريعًا إلى درجة أن الطفل يُحمل على موجةالاستعجال بدل أن يُمنح فرصة للتوقف عند معنىالمسؤولية أو الاهتمام بالآخر.
وبالمثل، قد يوحي بناء المسارات وسباق السياراتفي لعبة التطبيق Hot Wheels Unlimitedبالإبداع وحل المشكلات، لكن الإيقاع المهيمن هوالتسارع: عزز السرعة، تسابق، اصطدم، افُز، افتحمكافأة جديدة، ثم أعد الكرة.
لقد أخبرتنا البحوث بأشياء مفيدة كثيرة عن إعلامالأطفال. فنحن نعرف أن بعض البرامج التلفزيونيةالتعليمية، مثل Sesame Street، يمكن أن تدعمالتعلم. ونعرف أن بعض التطبيقات مصممة بصورةأفضل من غيرها. ونعرف أن الخصائص التفاعليةفي الكتب الرقمية يمكن أن تساعد عندما تخدمالقصة، وأن تشتت الانتباه عندما لا تفعل ذلك. ونعرف أن الشخصيات والسرديات تشكل أفكارالأطفال بشأن الهوية والجندر والحياة الاجتماعية. لكن الإيقاع يعبر كل هذه الأسئلة بوصفه الشرطالذي يتحول المحتوى في ظله إلى تجربة.
يمكن لوقت الشاشة أن يمر سريعًا أو بطيئًا. ولهذاالسبب جزئيًا، فإن مجرد قياس «وقت الشاشة»بالساعة مقياس شديد الخشونة. فقد يشاهد طفلانعشرين دقيقة من الوسائط، لكنهما يعيشان تجربتينزمنيتين مختلفتين تمامًا. في حالة، يتحرك الطفلداخل قصة مترابطة تحتوي على توقفات وتكرارومحطات عاطفية يمكن التعرف إليها. وفي حالةأخرى، يُسحب الطفل عبر عشرة مقاطع، وثلاثينشخصية، وألوان وامضة، وأغانٍ مفاجئة، ومكافآتتصل قبل أن يتاح للفكر وقت لكي يتشكل. تسجلالساعة المدة نفسها، لكن الطفل لا يعيش الزمننفسه.
ومن حق الآباء أن يقلقوا. فالطفل البالغ أربعة أعواملا يدخل إلى الوسائط وهو يمتلك الاحتياطي نفسهمن التنظيم الذاتي الذي يمتلكه البالغ. إنه ما يزاليتعلم كيف يبقى مع شعور معين، وكيف ينتظر حتىتنكشف القصة، وكيف يربط حدثًا بآخر، وكيفيلاحظ أن حزن شخصية ما مهم قبل أن تأتي النكتةوتمحوه. وإذا تحرك البرنامج بسرعة مفرطة، فقديشجع الطفل على توقع وصول المعلومات في دفعاتسريعة ومتغيرة باستمرار، ما يجعل أشكال الانتباهالأبطأ والأكثر استدامة أصعب احتمالًا. ويبدأ إيقافهذه الحلقة المفرغة بطرح السؤال: ما الذي يجعلإعلام الأطفال سريعًا أو بطيئًا بالضبط؟
لا تسيئوا فهمي؛ فأنا لا أقول إن البطء جيد دائمًا،أو إن الإعلام البطيء أفضل دائمًا من الإعلامالسريع. فقد تكون بعض وسائط الأطفال الحيويةممتازة، وقد تكون بعض الوسائط البطيئة مملة أوخاملة أو سيئة الصنع. النقطة هي أن الإعلام الجيدللأطفال يمنح الطفل وقتًا لإكمال فعل من أفعالالانتباه. أما الإعلام السيئ فيظل يقاطع هذا الفعلقبل أن يتحول إلى ذكرى أو إلى لعب.
وعندما قارنت مجموعتي البحثية برامج الأطفالوتطبيقاتهم وقصصهم الرقمية، وجدنا أن الإيقاعيمكن تفكيكه إلى مجموعة من اختيارات التصميم. فقد تتحرك القصة بطريقة تساعد الطفل على توقعما سيأتي، أو يمكنها أن تقفز بسرعة بين المشاهدإلى درجة يصبح معها السبب والنتيجة مشوشين. ويمكن للشاشة أن توجه العين نحو شيء واحد مهم،أو أن تملأ الإطار بحركات متنافسة.
ولهذا فإن اللغة المألوفة التي يستخدمها البالغونحول «الاندماج» أو «التفاعل» ضعيفة جدًا عندمانتحدث عن الأطفال. فقد يبدو الطفل شديد الاندماجبينما لا يُمنح إلا وقتًا ضئيلًا جدًا للتفكير. ولذلكحاولنا، في مشروع الإعلام البطيء للأطفال، جعلهذه الاختلافات مرئية. فنحن نقيم إعلام الأطفالبالنظر إلى الطريقة التي ينظم بها الزمن. ونسأل: هل السرد مترابط بما يكفي ليمكن متابعته؟ وهلالمجال الحسي يغمر قدرة الطفل على صنع المعنىعند مراحل عمرية محددة؟ وهل يتضمن التصميمنقاط توقف يمكن عندها هضم القصة قبل أنتستمر؟ وهل تسمح الوسيلة للتعلم بأن ينمو من خلالتكرار ذي معنى؟ وهل تخلق القصة أو المادة فرصًالكي يلاحظ الطفل والبالغ، أو طفلان، شيئًا معًا.