ماهين شيخاني
لم يكن يعرف أين دُفنت.
كان يعرف شيئاً واحداً فقط:
أنها ماتت.
أما القبر، فلم يكن له عنوان.
قالوا له إنها دُفنت في مكان بعيد، وإن الوصول إلى هناك ليس سهلًا، وإن عليه أن ينسى الأمر.
كانوا يتحدثون عن الطريق كما لو أنهم يتحدثون عن الموت نفسه.
كان ذلك في أواخر عام 2014.
كانت سوريا يومها قد تحولت إلى خريطة ممزقة؛ حواجز ورايات وطرقات مقطوعة. طريق قد ينتهي عند حاجز، وحاجز قد ينتهي في غرفة لا يعرف أحد كيف يخرج منها.
كان السفر في تلك الأيام مخاطرة لا يقدم عليها الإنسان إلا إذا كان مضطراً إلى أن يموت في الطريق، بدل أن يموت في مكانه.
وكان هو مضطراً.
كانت هي هناك.
في مشفى بعيد.
مريضة.
وحيدة.
أو هكذا كان يظن.
قبل نحو ثلاثين عاماً، كانت له امرأة بعينين خضراوين.
لم يكن يحب أن يقول عنها إنها جميلة.
الجمال كلمة واسعة، مستهلكة، تصلح لوصف وجوه كثيرة.
أما عيناها فكانتا شيئاً آخر بالنسبة له .
كانتا نافذتين على مكان لم يعرفه من قبل.
حين كانت تنظر إليه، كان يشعر أن العالم، بكل ضجيجه وفقره وخوفه، يبتعد قليلاً.
كانت معلمة.
تدخل الصف كل صباح حاملةً دفاتر تلاميذها إلى صدرها، كما تحمل الأم أبناءها.
وكان هو أيضاً معلّماً في مدرسة أخرى, ينتظرها عند الطريق المؤدي إلى المدرسة.
وحين كانت تراه، كانت تبتسم.
ذات صباح قال لها:
— سأشيخ معكِ.
ضحكت وقالت:
— ومن قال إنني سأقبل أن أشيخ معك؟
قال:
— سأجبرك.
ضحكت أكثر.
— وهل تستطيع؟
ابتسم وقال:
— سأحاول.
ولم يكن يعرف أن الإنسان يستطيع أن يفشل في أبسط وعد يقطعه وهو في العشرين.
بعد ثلاث سنوات تزوجا.
كان بيتهما صغيراً، لكنه كان يتسع كلما جاء طفل.
الأول.
ثم الثانية.
ثم الثالث.
ثم الصغيرة الرابعة.
صار البيت أربعة أصوات صغيرة فوق صوتيهما.
ضحكات.
بكاء.
كتب مدرسية.
أحذية متناثرة.
مرض.
أعياد.
خصام.
مصالحات.
وليل طويل ينتهي دائماً بالجملة نفسها:
«تصبحون على خير.»
كان يظن أن هذا هو معنى الحياة.
وكان مخطئاً.
لا يعرف متى بدأ الجفاء.
ربما لم يبدأ في يوم واحد.
ربما كانت هناك شقوق صغيرة في الجدار، تكاثرت بصمت، حتى صار البيت الذي ظنه متماسكاً ممتلئاً بالفراغ.
كانت تعود من المدرسة متعبة.
تضع دفاترها.
تجلس.
وتصمت.
أما هو، فكان يعود من عمله مثقلاً بأعباء أخرى.
كان يعمل.
يدفع.
يشتري.
يصلح.
ويظن أنه بذلك يحب.
كان يوفر الخبز والدواء والملابس، وكان يظن أن توفير الأشياء يكفي لتوفير السعادة.
أما هي، فكانت تنتظر شيئًا آخر.
شيئاً لا يُشترى.
ولا يُباع.
ولا يدخل في حسابات البيت.
في مساء شتوي قالت له:
— لم أعد سعيدة.
رفع رأسه.
قال:
— لكننا نحب بعضنا.
قالت:
— الحب لا يكفي.
سألها:
— والعِشرة؟
ابتسمت ابتسامة لم تشبه ابتسامتها القديمة.
قالت:
— أحياناً تصبح العِشرة أطول من قدرة القلب.
لم يفهم.
ظل ينظر إليها كمن يبحث في وجهها عن معنى ضائع.
ثم سألها:
— هل هناك شخص آخر؟
قالت:
— لا.
— إذًا ماذا هناك؟
خفضت عينيها.
— لا أعرف.
كانت «لا أعرف» أكثر إجابة أوجعته.
فالخيانة يمكن أن يكرهها.
أما الحيرة، فلا يعرف الإنسان أين يضع كراهيته.
ثم جاء اليوم الذي خرجت فيه من البيت.
وقفت عند الباب.
كان الأطفال ينظرون إليها.
انحنت نحو الصغيرة، ووضعت يدها على رأسها.
ثم رفعت عينيها إليه.
كانت عيناها الخضراوان ترتجفان.
سألها:
— هل ستعودين؟
لم تجب.
أغلقت الباب.
ومضت.
تقاسما الأطفال.
اثنان معه.
واثنان معها.
وكأنهما لم يكونا حبيبين و زوجين.
كأنهما دولتان خرجتا من حرب، واقتسمتا الحدود والخرائط والأنقاض.
كان أصعب ما في الأمر أن يرى الطفل الثالث.
كان يشبهه بطريقة تؤلمه.
أما ابنته الكبرى، فكانت تشبه أمها.
حين تضحك، كان يرى وجهها.
وحين تمسك قلماً، كان يتذكر يد أمها فوق السبورة.
كان يدخل غرفتها أحياناً بعد أن تنام.
يجلس قرب سريرها.
وينظر إليها طويلاً.
ثم يسأل نفسه:
كيف يستطيع نصف القلب أن يعيش بنصفه الآخر؟
لم يجد جواباً.
مرت السنوات.
ثم تزوج.
لم يتزوج لأنه نسيها.
تزوج لأن البيت كان يحتاج إلى امرأة، والأطفال كانوا يحتاجون إلى صوت أم، ولأن الوحدة حين تطول تتحول إلى مرض لا يعترف به أحد.
لكنها لم تغادره.
بعض النساء يخرجن من حياتنا.
أما هي، فقد خرجت من البيت فقط.
وظلت تسكن في مكان لا تصل إليه المفاتيح.
مكان لا يعرف كيف يُفتح.
ثم جاء عام 2014.
«كانت الحرب قد جعلت المسافات أطول من الخريطة.»لم يعد الطريق طريقاً.
صار الطريق سؤالاً:
من يسيطر على هذه المنطقة؟
ومن يسيطر على تلك؟
لمن الحاجز؟
هل سيمر الاسم؟
هل ستمر السيارة؟
هل سيصل؟
أم سيصبح واحداً من أولئك الذين خرجوا ذات مساء، ثم ابتلعتهم الطرق ولم يعرف أحد أين انتهوا؟
وفي تلك الأيام جاءه الخبر.
كانت مريضة.
سرطان.
في مشفى بعيد.
قال له أحدهم:
— حالتها سيئة.
لم يسأل شيئاً آخر.
قال:
— سأذهب إليها.
نظر إليه الرجل طويلاً، كأنه يريد أن يقول شيئاً ولا يعرف كيف.
ثم قال:
— الطريق خطر , وقد لا تصل, وخاصةً أنت.
أجابه:
— إنها سلمى.
وسكت الرجل.
فبعض الطرق لا يستطيع أحد أن يمنع الإنسان من سلوكها.
خرج ليلاً.
كان الليل أثقل من المعتاد.
كل حاجز كان يختبر قلبه.
كل سيارة تقترب من الخلف كانت تجعله يلتفت.
كل توقف كان يبدو كأنه النهاية.
كان يفكر فيها.
في عينيها.
في اليوم الأول الذي رآها فيه.
في ضحكتها.
في الباب الذي أغلقته خلفها.
وفي السؤال الذي ظل معلقاً في صدره لسنوات:
لماذا؟
لم يكن يريد عتاباً.
ولا اعتذاراً.
ولا تفسيراً.
كان يريد فقط أن يصل.
أن يجلس قرب سريرها.
أن يمسك يدها.
أن يقول لها:
— لقد تعبتِ بما يكفي.
لكن الطريق لم يسمح له.
أُغلقت الطرق.
تأخروا.
عادوا.
بحثوا عن طريق آخر.
كانت الحرب قد جعلت المسافات أطول من الخريطة.
كلما سأل:
— كم بقي؟
كان الجواب:
— لا أحد يعرف.
وفي مكان ما، بين حاجزين، انقطع آخر خبر عنها.
بعد أيام، جاءه اتصال.
كانت أخته تتصل من خارج سوريا.
كان صوتها غريباً.
قالت:
— لا أعرف كيف أبدأ وأقول لك هذا.
صمت.
ثم سأل:
— ماذا؟
قالت:
— زميلتها في المدرسة نشرت خبراً على صفحتها.
سأل:
— أي خبر؟
ترددت.
ثم قالت:
— يقولون إنها توفيت.
لم يتحرك.
— متى؟
— منذ ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام.
ظل الرقم معلقاً في الغرفة.
ثلاثة أيام كانت امرأة يعرف خطوط وجهها، وضحكتها، وصمتها، تحتضر في مكان ما، بينما كان هو يقاتل الطريق كي يصل إليها.
سأل:
— أين دُفنت؟
قالت:
— لا أعرف.
— من كان معها؟
صمتت.
ثم قالت:
— لا أحد… حسب ما فهمت.
— والأولاد؟
— لا أحد منهم كان هناك.
— من دفنها؟
— لا أعرف.
انتهت المكالمة.
جلس على الأرض.
لم يبكِ.
ربما لأن شيئاً فيه كان قد بدأ يموت قبلها بسنوات.
المرأة التي كانت تملأ البيت ضجيجاً…
دُفنت في صمت.
في أرض لا يعرف عنوانها.
ولا يقف عندها أولادها.
ولا أهلها.
ولا الرجل الذي قالت له ذات يوم:
«سأشيخ معك.»
والأشد قسوة أنه لم يعرف بموتها من قريب.
عرفه من منشور على صفحة زميلة.
كأن حياة امرأة كاملة استطاعت الحرب أن تختصرها في سطرين.
بعد أيام أخرى استطاع الوصول.
لم يذهب ليستعيدها.
ذهب ليرى قبرها.
قالوا له إن القبر هناك.
مشى.
كان المكان هادئاً.
هادئاً أكثر مما ينبغي.
وجد عدة قبور.
توقف.
سأل رجلاً عجوزاً:
— قبر امرأة دُفنت هنا قبل أيام؟
قال العجوز:
— أي امرأة؟
ذكر اسمها.
ظل الرجل يفكر.
ثم أشار بيده.
— هناك.
ذهب.
كان القبر بلا شاهد.
مجرد حفنة تراب حديثة، كأن الأرض نفسها لم تتعرف بعد إلى من استقبلتها.
جلس.
وضع يده على التراب.
كان بارداً.
قال:
— وصلت.
لم يجب أحد.
قال:
— تأخرت.
ظل الصمت.
قال:
— كنت أحاول.
لا شيء.
أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت واقفة أمام المدرسة.
دفاترها في يدها.
وشعرها يتحرك مع الهواء.
وعيناها…
العينان الخضراوان اللتان بقيتا في ذاكرته أكثر من كل شيء.
وضع الصورة فوق التراب.
ثم قال:
— كنت أريد أن أقول لكِ شيئاً.
توقف.
لم يعرف ماذا يقول.
كل الكلمات التي احتفظ بها ثلاثين عامًا بدت صغيرة أمام قبر بلا اسم.
قبل أن يغادر، اقترب منه الرجل العجوز.
قال:
— هناك شيء تركته لك.
التفت إليه.
أخرج ظرفاً قديماً.
— أعطتنا إياه ممرضة في المشفى قبل موتها.
أخذ الظرف.
كان اسمه مكتوباً عليه.
بخط يدها.
جلس من جديد.
فتح الرسالة.
كان فيها سطر واحد:
«إذا وصلتَ إليّ، فاعلم أنك وصلت متأخراً… كما كنت أعرف دائماً أنك ستفعل.»
توقف.
ظل ممسكاً بالورقة.
لم يتحرك.
قرأها مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وفجأة عادت إليه جملة قديمة:
«لم أعد سعيدة.»
لأول مرة فهمها.
لم تكن تقصد البيت.
ولا الزواج.
ولا هو.
كانت تقصد شيئًا أعمق.
كانت تعرف أن حياتها تنسحب منها ببطء، وكانت تحاول، بطريقتها القاسية، أن تمنحه فرصة ليعيش دون أن يتحول إلى رجل يقيس أيامه بسرعة نبض امرأة تحتضر.
لكنها أخطأت.
أخطأت حين ظنت أن الغياب أرحم من الوداع.
وهو أخطأ حين ظن أن الصمت يعني أن الحب انتهى.
عاد إلى البيت بعد أيام.
دخل غرفة الأطفال.
كانوا نائمين.
وقف طويلاً.
ثم قال بصوت خافت:
— أمكم كانت تحبكم.
توقف.
لم يستطع أن يقول أكثر.
ذهب إلى النافذة.
كان الليل في الخارج واسعاً، أسود، خالياً.
يشبه الصحراء.
وضع يده على الزجاج.
وفجأة تذكر شيئاً لم ينتبه إليه طوال هذه الأعوام.
في كل مرة كان يقول لها:
«سأشيخ معكِ.»
كانت تبتسم.
لم تكن تجيبه.
كان يظن أنها تتهرب من الوعد.
الآن فقط فهم تلك الابتسامة.
كانت تعرف.
كانت تعرف أنها لن تصل إلى الشيخوخة.
وكان هو الوحيد الذي لم يعرف.
مرت السنوات.
احتفظ بالصورة.
وأبقى الرسالة في الدرج نفسه.
كان يخرج الصورة أحياناً.
يضعها أمامه.
ويتأمل عينيها.
ثم يسأل:
— لماذا لم تنتظريني؟
ولا يأتي جواب.
لا صوت.
لا طيف.
لا معجزة.
فقط ذلك الفراغ القديم الذي تركته وراءها.
وفي كل مرة كان يشعر أن قلبه، الذي ظن أنه نجا من موتها، يعود إلى المكان نفسه.
إلى الصحراء.
وذات مساء سأله أحدهم:
— أين دُفنت؟
رفع رأسه.
ظل صامتاً قليلاً.
ثم قال:
— لا أعرف.
كان يستطيع أن يذكر المكان.
اسم القرية.
اسم المقبرة.
القبر الذي بلا شاهد.
لكنه لم يفعل.
لأنه اكتشف بعد كل تلك السنوات أن السؤال لم يعد عن القبر.
كان السؤال:
أين عاشت؟
وأين ماتت؟
وأين بقيت؟
كانت مدفونة في مكان بعيد.
بعيداً عن أولادها.
بعيداً عن أهلها.
بعيداً عنه.
لكن ذلك لم يكن قبرها الحقيقي.
قبرها الحقيقي كان في قلبه.
وهناك، للمرة الأولى، لم يكن بينهما طريق.
ولا حاجز.
ولا حرب.
ولا ثلاثة أيام من التأخير.
فقط صحراء واسعة…
ورجل عجوز يجلس في آخرها، ممسكاً بصورة امرأة بعينين خضراوين، ويكتشف متأخراً جداً أن بعض الناس لا يرحلون حين يموتون.
يرحلون يوم نفهمهم.
وذات مساء، أخرج الصورة من الدرج.
تأمل عينيها طويلاً.
ثم ابتسم، كأنه تذكّر شيئاً.
قال بصوت خافت:
— كنتِ تعرفين.
وأعاد الصورة إلى مكانها.
أغلق الدرج.
وبقي واقفاً لحظة أمامه، ثم قال:
— قلتُ لكِ يومها: سأشيخ معكِ.
صمت.
ثم أضاف:
— لم أكن أعرف أنني سأشيخ وحدي… وأنكِ ستتركين لي وعدي.