الوعي ضرورة إنسانية

د. نوري جاسم

ليس أخطر على الإنسان من جهلٍ يظنه معرفة، ولا من وهمٍ يظنه يقينًا. فبعض القيود لا تُرى، لأنها لا توضع حول الجسد، بل حول العقل؛ تبدأ فكرةً موروثة، ثم تتحول إلى قناعة، ثم تصبح مع الزمن حقيقةً لا يسمح صاحبها لنفسه حتى بسؤالها.

الوعي الحقيقي يبدأ من السؤال

أن تتوقف لحظة أمام ما اعتدت أن تصدقه، لا لتتمرد عليه، ولا لتقبله بلا تفكير، وإنما لتسأل: هل هو حقًا كذلك؟ وهنا تبدأ أصعب رحلة للإنسان؛ رحلة التحرر من سلطة المألوف. فليس كل ما اعتدناه صحيحًا، وليس كل ما ورثناه مقدسًا، وليس كل ما يقال كثيرًا يصبح حقيقة. وقد يكون الإنسان في حاجة إلى أن يراجع بعض أفكاره، لا لأن الماضي كان خاطئًا، بل لأن الحياة تتغير، والأسئلة تتجدد، والعقل الذي لا يراجع نفسه يتحول من أداة للمعرفة إلى سجنٍ للإنسان. ونحن نعيش زمنًا لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات، بل فائضها. كل شيء يصل إلينا بسرعة: خبر، وصورة، ورأي، وتحليل، وحكم. لكن السرعة لا تصنع الحقيقة، وكثرة المتابعين لا تمنح الفكرة صحتها، والصوت الأعلى ليس بالضرورة صوت الصواب. لذلك أصبح الوعي اليوم ضرورة لا ترفًا. الوعي أن تعرف متى تصغي، ومتى تشك، ومتى تبحث، ومتى تقول: لا أعلم. وأن تدرك أن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفًا، بل بداية المعرفة.

والمجتمع الواعي ليس مجتمعًا يتفق أفراده في كل شيء؛ بل مجتمع يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يكره بعضهم بعضًا، وأن يناقشوا الفكرة دون أن يحولوا صاحبها إلى خصم. فحين نحترم الإنسان حتى ونحن نختلف معه، نكون قد ارتقينا من صراع الآراء إلى ثقافة الحوار. والوعي لا يعني أن ندير ظهورنا للتراث، كما لا يعني أن نسكن داخله إلى الأبد. إنه القدرة على أن نقرأ الماضي بعيون مفتوحة، فنأخذ منه حكمته، ونفهم سياقه، ونحافظ على جوهره، دون أن نحول التاريخ إلى قفص يمنع المستقبل من الحركة. وإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعيش بعقلٍ مستعار؛ يفكر بما يفكر به الآخرون، ويغضب لما يغضبون، ويكره من يكرهونه، ويؤمن بما يؤمنون، ثم يظن أن ذلك كله اختياره الشخصي. أما الوعي، فهو اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان حقه في التفكير.

وحين يستعيد الإنسان هذا الحق، لا يصبح بالضرورة أكثر علمًا، لكنه يصبح أكثر صدقًا مع نفسه؛ يرى حدود معرفته، ويفهم اختلاف الآخرين، ويبحث عن الحقيقة دون خوف من أن تقوده الحقيقة إلى مراجعة ما كان يظنه يقينًا. فالحقيقة لا تخاف من السؤال، واليقين الحقيقي لا يحتاج إلى إغلاق الأبواب أمام العقل. وحين يصبح الوعي ضرورة، تبدأ الحرية الحقيقية؛ لأن الإنسان لا يتحرر حين يفعل ما يشاء، بل حين يعرف لماذا يفعل ما يفعل. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..

قد يعجبك ايضا
∧