الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
السيادة ليست كلمة تُرفع في المناسبات، ولا شعاراً يُكتب على اللافتات، ولا احتفالاً سنوياً ينتهي بانتهاء المراسم. السيادة، في معناها السياسي والقانوني، هي قدرة الدولة على إدارة شؤونها بنفسها، وفرض قانونها على أراضيها، وحماية حدودها وأجوائها ومياهها ومواردها، واتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية بعيداً عن الإكراه والتدخل.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة ومسؤولية:
أين يوم السيادة؟ وهل استعاد العراق سيادته كاملة، أم أننا ما زلنا نحتفل بمفهوم السيادة بينما تعترض طريقها تحديات داخلية وضغوط خارجية؟
مونتيفيديو… أربعة عناصر لقيام الدولة
تُعد اتفاقية مونتيفيديو بشأن حقوق وواجبات الدول، الموقعة عام 1933، من المراجع المعروفة في القانون الدولي عند الحديث عن عناصر الدولة. وتنص مادتها الأولى على أربعة عناصر أساسية: سكان دائمون، وإقليم محدد، وحكومة، والقدرة على إقامة العلاقات مع الدول الأخرى.
وهنا يجب التفريق بين وجود الدولة وبين اكتمال ممارسة السيادة بصورة فعلية.
فالعراق، بلا شك، دولة ذات شعب وإقليم وحكومة وقدرة على إقامة العلاقات الدولية، ولا يعني وجود تدخلات أو أزمات داخلية أن أركان الدولة القانونية قد انهارت.
لكن السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى تستطيع الدولة ممارسة سيادتها فعلياً؟
فهناك فرق كبير بين أن تكون للدولة شخصية قانونية معترف بها، وبين أن تكون قراراتها السيادية محصنة من الضغوط والإملاءات ومراكز القوى.
السيادة ليست علماً يرفرف فقط
المادة الثالثة من اتفاقية مونتيفيديو تؤكد استقلال الوجود السياسي للدولة، بينما تنص المادة الثامنة على مبدأ عدم تدخل دولة في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى، وتؤكد المادة الحادية عشرة حرمة إقليم الدولة وعدم جواز إخضاعه للاحتلال أو إجراءات القوة المفروضة من دولة أخرى.
وهنا يصبح النقاش أكثر أهمية بالنسبة للعراق.
فحين تحتاج الحكومة العراقية إلى استثناءات خارجية لتسيير بعض الرحلات الجوية، فإن ذلك يكشف حجم تأثير النظام الدولي والعقوبات الأجنبية في القرار الاقتصادي والنقل الجوي العراقي. وقد أفادت تقارير حديثة بأن الخطوط الجوية العراقية حصلت على إعفاء خاص من وزارة الخزانة الأمريكية لاستئناف رحلات محدودة إلى إيران، بعد تعليقها بسبب العقوبات الأمريكية.
وحين تكون عائدات النفط العراقية مرتبطة بنظام مالي دولي يمنح الولايات المتحدة نفوذاً مؤثراً على حركة الأموال العراقية، فإن المسألة لا تعود مجرد ملف مالي، بل تصبح جزءاً من النقاش الأوسع حول الاستقلال الاقتصادي للدولة. وقد تناول تقرير حديث هذا النفوذ الأمريكي على عائدات النفط العراقية عبر الحسابات المرتبطة بالبنك المركزي العراقي في نيويورك.
وهنا لا بد من القول بوضوح: السيادة السياسية لا تكتمل من دون سيادة اقتصادية قادرة على حماية القرار الوطني.
ولكن… هل الخارج وحده هو المشكلة؟
ليس من الإنصاف أن نضع كل مسؤولية تراجع السيادة على الخارج.
فالسيادة تُنتقص أيضاً عندما تتعدد مراكز القرار داخل الدولة، أو عندما تظهر جماعات مسلحة خارج إطار القيادة الرسمية، أو عندما تصبح الدولة عاجزة عن فرض القانون بالتساوي على الجميع.
فلا يمكن أن تكون هناك دولة قوية إذا كان المواطن يرى سلاحاً خارج سلطة الدولة، أو يسمع تهديداً بإسقاط الحكومة، أو يرى طرفاً سياسياً يتعامل مع مؤسسات الدولة بمنطق القوة بدلاً من منطق القانون.
الدولة لا تكون سيدة على أرضها إذا كان القانون يطبق على مواطن ويُستثنى منه آخر.
ولا تكون السيادة مكتملة إذا كانت الحدود والمنافذ والمعابر لا تخضع جميعها لسلطة الدولة، أو إذا تعددت الجهات التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار الأمني والسياسي بعيداً عن المؤسسات الدستورية.
سماء العراق ومياهه وأرضه وموارده
السيادة تعني أن يكون للدولة القرار الأول والأخير في حماية أجوائها.
وتعني أن يكون أمن الحدود مسؤولية مؤسساتها الرسمية.
وتعني أن يكون السلاح خاضعاً للقانون.
وتعني أن تكون الثروات الوطنية تحت إدارة مؤسسات الدولة وفق الدستور والقانون.
وتعني كذلك أن يكون العراق قادراً على بناء علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج وأوروبا وسائر دول العالم وفق المصلحة العراقية، لا وفق سياسة المحاور.
العراق لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لهذا الطرف أو ذاك.
العراق يحتاج إلى أن يكون عراقاً.
السيادة لا تعني العزلة
ومن الخطأ أن نفهم السيادة على أنها قطيعة مع العالم.
الدولة ذات السيادة تستطيع أن تقيم علاقات وتحالفات واتفاقيات مع الدول الأخرى، لكن القرار في النهاية يجب أن يصدر عن مؤسساتها الدستورية وبما يخدم مصالح شعبها.
السيادة لا تعني رفض التعاون الدولي، وإنما تعني أن يكون التعاون اختياراً عراقياً وليس نتيجة إكراه.
ولا تعني السيادة رفض الولايات المتحدة، ولا إيران، ولا تركيا، ولا أي دولة أخرى.
بل تعني أن تكون علاقة العراق مع الجميع قائمة على المصلحة المتبادلة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في القرار الوطني.
الفساد أيضاً عدو للسيادة
هناك نوع آخر من فقدان السيادة لا يأتي من دبابة أجنبية ولا من طائرة حربية.
إنه يأتي من الداخل.
إنه الفساد.
عندما تُهدر أموال الدولة، وتُسرق مواردها، وتُباع المناصب، وتُعطل المشاريع، وتُنهك مؤسساتها، فإن الفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق من الدولة قدرتها على اتخاذ القرار.
فالدولة الفقيرة في مؤسساتها، الضعيفة في اقتصادها، الممزقة في قرارها، تصبح أكثر عرضة للضغط الخارجي.
ولهذا فإن مكافحة الفساد جزء من معركة السيادة.
العراق الذي نريده
نريد عراقاً واحداً، قوياً، مقتدراً، يحكم كامل أرضه وفق الدستور والقانون.
نريد عراقاً تكون فيه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت القيادة الدستورية، ولا يكون فيه سلاح خارج إطار الدولة.
نريد عراقاً يحمي حدوده ومنافذه وأجواءه ومياهه.
نريد عراقاً يدير موارده وثرواته لمصلحة شعبه.
نريد عراقاً يستطيع أن يقول للولايات المتحدة: هذه مصالحنا.
ويقول لإيران: هذه مصالحنا.
ويقول لتركيا: هذه مصالحنا.
ويقول لكل دول العالم: هذه هي مصالح العراق، وهذه هي قرارات مؤسساته الدستورية.
لا نريد عراقاً تابعاً لمحور، ولا عراقاً ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
نريد عراقاً صاحب قرار.
وأخيراً… أين يوم السيادة؟
قد يكون من حق العراقي أن يسأل:
إذا كانت السيادة تعني أن يكون القرار الوطني مستقلاً، والقانون نافذاً على الجميع، والسلاح بيد الدولة، والحدود والأجواء والموارد تحت سلطتها، فأين نحن من هذه السيادة؟
السؤال ليس اعتراضاً على الاحتفال بالسيادة، بل دعوة إلى أن يتحول الاحتفال من مناسبة رمزية إلى مشروع وطني حقيقي.
فالسيادة لا تُستعاد بخطاب.
ولا تُحمى بالشعارات.
ولا تُقاس بعدد الأعلام المرفوعة.
السيادة تُبنى بدولة قوية، وقانون عادل، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد متين، وسلاح واحد، وقرار وطني مستقل.
وعندما يصل العراق إلى هذه المرحلة، نستطيع أن نقول بكل ثقة:
نعم… هذا هو يوم السيادة.
العراق للعراقيين، وقرار العراق يجب أن يصنعه العراقيون.