د. نوري جاسم
ليست كل صورةٍ تُلتقط بالكاميرا مجرد صورة، فبعض الصور تحمل وراء ملامح أصحابها معنى يتجاوز اللحظة والمكان، وتدعو الناظر إليها إلى أن يتوقف قليلًا، لا ليرى الأشخاص فحسب، بل ليتأمل الفكرة التي اجتمعت من أجلها تلك الوجوه. ومن بين هذه الصور صورة تجمع الأستاذ الدكتور محمد باسل الطائي، العالم والباحث في الفيزياء الكونية، مع السيد الشيخ محمد المحمد الكسنزان القادري الحسيني، قدّس الله أسراره، في العاصمة الأردنية عمّان في عام 2018 م. صورة تبدو في ظاهرها لقاءً بين شخصين، لكنها تفتح في معناها الأوسع نافذة على سؤال قديم ومتجدد: هل يستطيع العلم أن يضيء طريق العقل، وتستطيع الروح أن تمنح المعرفة معناها؟ إن الدكتور محمد باسل الطائي، بما يحمله من تخصص في الفيزياء الكونية واهتمام بأسئلة الكون وفلسفة الطبيعة والعلاقة بين العلم والإيمان، ينطلق من عالمٍ يبحث في أسرار المادة والزمان والمكان والوجود. أما السيد الشيخ محمد المحمد الكسنزان القادري الحسيني قدست اسراره، فقد ارتبطت تجربته الروحية بمنظومة التصوف والعرفان، وبقيم المحبة والسلام والتزكية وتهذيب النفوس البشرية.

وهنا لا ينبغي أن نضع العلم والعرفان في مواجهة مصطنعة؛ فلكل واحد منهما مجاله ومنهجه وأدواته. العلم يسأل: كيف يحدث الشيء؟ ويبحث عن الدليل والتجربة والقانون، بينما يذهب الفكر الروحي إلى أسئلة أخرى تتصل بالمعنى والغاية والإنسان وما ينبغي أن يكون عليه قلبه وسلوكه. ولكن في رؤية السيد الكسنزان كما يروي ذلك السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدست اسراره. حيث يقول ان استاذي الشيخ محمد المحمد الكسنزان القادري الحسيني قدست اسراره. كان يوصيني بالتواصل مع العلماء والباحثون في شتى علوم الحياة والكون والفضاء. لأنهم اذا أخذوا بعلوم الطريفة والصفاء والنقاء الروحي. فإن نور وبركة وعلوم الطريفة تفتح لهم الآفاق العلمية بشكل كبير وواسع. من أجل تقديم أفضل ما يمكن من علوم وتطور لخدمة البشرية. وفالإنسان لا يعيش بالمعرفة وحدها، كما أنه لا يستطيع أن يبني حضارته من دون عقل وروح. نحن بحاجة إلى عقلٍ يكتشف، وقلبٍ يهتدي، وعلمٍ يفسر، وقيمٍ تضبط اتجاه المعرفة.
ومن هنا تبدو الصورة أكثر من مجرد لقاء؛ إنها تذكير بأن الإنسان، مهما بلغ من العلم، يبقى في حاجة إلى أن يسأل نفسه: ماذا أفعل بما عرفت؟ وإلى أين تقودني معرفتي؟ وهل جعلتني معرفتي أكثر تواضعًا ورحمةً وإنسانية؟ فالعلم الذي يكشف اتساع الكون ينبغي أن يعلّم الإنسان التواضع أمام عظمته، والمعرفة التي تكشف دقة قوانينه ينبغي أن توقظ فيه الشعور بالمسؤولية، والروح التي تبحث عن الحقيقة ينبغي ألا تهرب من العقل، والعقل الذي يبحث عن الحقيقة ينبغي ألا يفقد إنسانيته. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من مثل هذه الصورة أن الاختلاف في الطريق لا يعني بالضرورة الاختلاف في الغاية. فقد يسلك العالم طريق المعادلة والتجربة، ويسلك العارف طريق التأمل والتزكية، لكن كلاهما يستطيع أن يلتقي عند قيمة الإنسان، وعظمة الحقيقة، وضرورة أن يكون العلم وسيلة للبناء لا للهدم، والمعرفة طريقًا إلى السلام لا إلى الغرور. وإن عالمنا اليوم لا يعاني من نقص المعلومات بقدر ما يعاني أحيانًا من نقص الحكمة. لقد أصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى المعلومة في ثوانٍ، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر قدرة على معرفة ما ينبغي أن يفعل بها. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس أن نملأ العقول بالمعلومات فقط، بل أن نملأ المعرفة بالمسؤولية، وأن نجعل التقدم العلمي مترافقًا مع تقدم أخلاقي وروحي. وهنا رسالتي إلى كل من تقع عيناه على هذه الصورة:
لا تجعلوا العلم خصمًا للإيمان، ولا تجعلوا الإيمان خصمًا للعقل. لا تخافوا من السؤال، ولا تخجلوا من البحث، ولا تجعلوا ما تجهلونه سببًا لرفض ما لا تفهمونه. افتحوا عقولكم للمعرفة، وقلوبكم للمحبة، واجعلوا طلب الحقيقة غاية، والإنسان أكبر من الاختلاف.
تعلّموا ما استطعتم، ولكن لا تسمحوا للعلم أن يصنع منكم متكبرين. وارتقوا في أرواحكم، ولكن لا تسمحوا للروحانية أن تعزلكم عن الإنسان والحياة. فأجمل إنسان هو الذي يجمع في داخله عقلًا يتساءل، وقلبًا يحب، وضميرًا يحاسب نفسه. وربما لهذا تحمل الصورة التي أمامنا جمالًا خاصًا؛ فهي لا تقول لنا إن عالم الكون وعالم الروح أصبحا شيئًا واحدًا، وإنما تقول إن التلاقي بينهما ضرورة، وإن اما يجمعهما احترام الحقيقة والبحث عن المعنى.
وفي النهاية، قد يكتشف العالم مجرة جديدة، وقد يكتشف العارف معنى جديدًا في أعماق النفس؛ لكن أعظم اكتشاف يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يعرف كيف يستخدم ما عرفه ليكون أكثر رحمة، وأكثر تواضعًا، وأكثر سلامًا. فأسرار الكون واسعة، وأنوار الروح أوسع مما نتصور، وبينهما يقف الإنسان؛ ذلك الكائن الصغير في حجمه، الكبير في سؤاله، الذي ما زال يبحث عن الحقيقة منذ أن بدأ يسأل: من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أمضي؟ ولعل الإجابة الأجمل ليست في أن نمتلك كل الأجوبة، بل في أن نستمر في البحث عنها بعقلٍ مستنير، وقلبٍ محب، ونفسٍ متواضعة. وبرؤية روحية صوفية عرفانية محمدية علية قادرية كسنزانية. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..