من الحاجة إلى الأمل: مؤسسة الحاج إدريس سورچي وإعادة بناء الثقة بالإنسان

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

لا تُقاس قيمة العمل الخيري بحجم ما يُوزَّع من مساعدات فحسب، بل بقدرته على تغيير علاقة الإنسان بواقعه، وإعادة بناء الشعور بأن المجتمع لم يترك أفراده وحدهم في مواجهة الحاجة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة مؤسسة الحاج إدريس سورچي الخيرية بوصفها محاولة للانتقال بالعمل الإنساني من الاستجابة المباشرة للحاجة إلى صناعة الأمل وترميم الثقة الاجتماعية. فالمحتاج لا يواجه في كثير من الأحيان نقصاً مادياً منفرداً، وإنما يعيش سلسلة مترابطة من الضغوط تبدأ بالعوز وقد تمتد إلى الشعور بالعزلة وفقدان الأمان وتراجع الثقة بالمستقبل. ولذلك تصبح المساعدة الإنسانية أكثر عمقاً عندما تحافظ على كرامة الإنسان وتمنحه الإحساس بأنه عضو حاضر في المجتمع، لا رقماً في قوائم الإعانة.
إن مفهوم الأمل في العمل الخيري ليس تعبيراً عاطفياً مجرداً، بل قيمة اجتماعية لها آثار عملية. فالأسرة التي تجد من يقف إلى جانبها في لحظة ضيق قد تستعيد قدرتها على التخطيط للمستقبل، والطالب الذي يتلقى دعماً في مرحلة حرجة قد ينظر إلى التعليم بوصفه طريقاً يمكن الاستمرار فيه، والمريض الذي يشعر بأن معاناته ليست منسية يكتسب قدراً من الطمأنينة يتجاوز القيمة المادية للمساعدة. وهنا تتضح فلسفة العمل المؤسسي: تحويل العطاء من فعل مؤقت إلى رسالة تقول للإنسان إن حاجته مرئية، وإن كرامته محفوظة، وإن المجتمع يستطيع أن ينتج شبكات تضامن تتدخل عندما تضيق الخيارات الفردية.
وتكتسب مؤسسة الحاج إدريس سورچي الخيرية أهميتها من البيئة الاجتماعية التي تعمل فيها؛ فالمجتمعات التي مرت بأزمات اقتصادية وإنسانية ونزوح واضطرابات متعاقبة تحتاج إلى ما هو أبعد من التدخلات الطارئة. إنها تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الفرد والمجتمع وبين المحتاج والجهة التي تقدم له الدعم. والثقة هنا رأس مال اجتماعي بالغ الأهمية؛ لأنها تقلل شعور الإنسان بالهامشية، وتجعله أكثر استعداداً للمشاركة والتفاعل والإيمان بإمكان تجاوز الأزمة. ولهذا فإن العمل الخيري المؤسسي يصبح، عندما يحسن أداءه، أحد المسارات التي تعيد وصل ما قطعته الأزمات بين الإنسان ومحيطه.
ومن أبرز المعايير الأخلاقية في هذا السياق صون كرامة المستفيد. فالمساعدة التي تُقدَّم بطريقة تجرح الإنسان أو تحوله إلى مادة للاستعراض الإعلامي قد تحقق هدفاً مادياً قصير الأجل، لكنها تضعف المعنى الأخلاقي للعطاء. أما حين يُنظر إلى المحتاج بوصفه صاحب حق في الاحترام، فإن العلاقة تتغير جذرياً: لا يعود طرفاً ضعيفاً أمام طرف قوي، بل إنساناً يمر بظرف يحتاج فيه إلى تضامن الآخرين. ومن هنا تبرز أهمية الخصوصية، وحسن الخطاب، وطريقة الوصول إلى الأسر، وعدم ربط العطاء بإذلال المستفيد أو استعراض معاناته. إن كرامة الإنسان ليست تفصيلاً مكملاً للعمل الخيري، بل هي المعيار الذي يمنحه مشروعيته الأخلاقية.
ويصبح الانتقال من الحاجة إلى الأمل أكثر وضوحاً عندما لا تقتصر المؤسسة على معالجة النتيجة الظاهرة للمشكلة. فالحاجة الغذائية مثلاً قد تكون انعكاساً لبطالة أو فقدان مصدر دخل، والحاجة إلى العلاج قد ترتبط بعجز الأسرة عن الوصول إلى خدمات صحية مناسبة، والتسرب من التعليم قد يكون نتيجة ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة. لذلك فإن النضج المؤسسي في العمل الخيري يرتبط بالقدرة على قراءة الأسباب إلى جانب النتائج، وبناء تدخلات تتدرج من الإغاثة إلى التمكين. وهذا لا يعني أن المساعدة العاجلة تفقد أهميتها، بل يعني أن قيمتها تتضاعف عندما تكون بوابة لمسار أطول يساعد الإنسان على استعادة قدرته على الاعتماد على ذاته.
ومن هنا تبرز فكرة التمكين بوصفها مرحلة متقدمة من العمل الإنساني. فالعطاء الأكثر استدامة هو الذي يساعد المستفيد على الخروج تدريجياً من دائرة الاحتياج المتكرر. وقد يأخذ ذلك صوراً متعددة: دعم التعليم، التدريب، توفير أدوات العمل، مساندة المشاريع الصغيرة، رعاية المهارات، أو بناء شراكات تفتح أمام الأفراد فرصاً جديدة. وفي كل هذه المسارات يتحول المستفيد من متلقٍ للمساعدة إلى شخص قادر على إنتاج قيمة لنفسه ولأسرته ولمجتمعه. وهذه النقلة هي جوهر صناعة الأمل، لأن الأمل الحقيقي لا يقوم على انتظار المساعدة التالية، وإنما على اتساع مساحة الخيارات أمام الإنسان.
كما أن المؤسسة الخيرية لا تعمل في فراغ، بل داخل شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية. وكلما استطاعت أن تربط المتبرع والمتطوع والمستفيد والجهات المجتمعية ضمن منظومة من الثقة، أصبحت قادرة على مضاعفة أثرها. فالمتبرع يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن الموارد تُدار بمسؤولية، والمتطوع يحتاج إلى رؤية معنى واضح لجهده، والمستفيد يحتاج إلى الشعور بالاحترام والعدالة، والمجتمع يحتاج إلى معرفة أن المؤسسة لا تستبدل مؤسسات الدولة ولا تنافسها، بل تسد فجوات وتبتكر مسارات تضامن وتدفع باتجاه مسؤولية اجتماعية أوسع. وفي هذه الشبكة تصبح الثقة شرطاً للاستمرار وليست نتيجة ثانوية.
ومن القضايا التي تستحق التأمل في تجربة المؤسسات الإنسانية عموماً قدرتها على اكتشاف الحاجة الصامتة. فليس جميع المحتاجين يطرقون أبواب المؤسسات، وبعض الأسر تحجم عن طلب المساعدة حفاظاً على خصوصيتها أو بسبب اعتبارات اجتماعية ونفسية. ولهذا فإن الوصول المسؤول إلى هذه الفئات يتطلب معرفة بالمجتمع المحلي وآليات تحقق دقيقة تحمي كرامة الناس ولا تحول حياتهم الخاصة إلى موضوع للتداول. وحين تنجح المؤسسة في الوصول إلى الإنسان قبل أن تضطره الحاجة إلى إعلان عجزه، فإنها تنقل العمل الخيري إلى مستوى أكثر حساسية وإنسانية.
ويؤدي الإعلام دوراً مهماً في صناعة الثقة، لكن قيمته تتوقف على طريقة استخدامه. فالإعلام الإنساني يمكن أن يعرّف المجتمع بالمبادرات، ويحفز ثقافة التطوع، ويعزز الشفافية، ويشجع أصحاب القدرة على المساهمة. غير أنه قد يتحول إلى عبء أخلاقي إذا أصبحت صورة المحتاج وسيلة لإثبات حضور المؤسسة. لذلك فإن التوازن بين حق المؤسسة في توثيق نشاطها وحق المستفيد في الخصوصية يمثل اختباراً حقيقياً للثقافة المؤسسية. إن أفضل صورة للعمل الخيري ليست بالضرورة الصورة الأكثر إثارة، بل الصورة التي تحفظ إنسانية من يظهر فيها، أو التي تستطيع أن توثق الأثر من دون كشف ما لا ينبغي كشفه.
وتتجاوز إعادة بناء الثقة حدود العلاقة بين المؤسسة والمستفيد لتصل إلى المجتمع نفسه. فحين يرى الناس أن التضامن ممكن وأن الموارد الصغيرة عندما تُنظم يمكن أن تنتج أثراً ملموساً، تتغير نظرتهم إلى قدرتهم الجماعية. وهذا أمر مهم في البيئات التي أنتجت الأزمات فيها شعوراً بالعجز أو الانقسام. فالعمل الخيري الناجح يقدم نموذجاً عملياً لفكرة أن المجتمع يستطيع أن يساعد نفسه، وأن الاختلافات الاجتماعية أو المناطقية لا تمنع بناء مساحات مشتركة حول الإنسان وحاجاته الأساسية. ومن هذه الزاوية يصبح العطاء ممارسة في بناء السلم الاجتماعي، لأنه يضع الكرامة الإنسانية فوق الانقسامات.
إن اسم الحاج إدريس سورچي، في إطار هذه التجربة، يرتبط بفكرة تحويل المبادرة الفردية إلى فعل مؤسسي أكثر قابلية للاستمرار. فالعمل الخيري الفردي قد يكون واسعاً ومؤثراً، لكنه يبقى معرضاً للتوقف أو التشتت إذا لم يتحول إلى منظومة لها إدارة وذاكرة وخطط وآليات متابعة. والمؤسسة هي التي تمنح الفكرة عمراً يتجاوز اللحظة والأشخاص، وتسمح بتراكم الخبرة وقياس النتائج وتطوير البرامج. ومن هنا فإن القيمة الأعمق لأي تجربة خيرية لا تكمن فقط في عدد المبادرات التي أنجزتها، بل في قدرتها على بناء تقاليد مؤسسية تجعل فعل الخير قابلاً للتطور والاستمرار.
ولعل أحد أهم التحولات المطلوبة في الثقافة الخيرية المعاصرة هو الانتقال من قياس النشاط إلى قياس الأثر. فعدد السلال أو الزيارات أو الحملات يخبرنا بحجم الحركة، لكنه لا يخبرنا وحده بما تغير في حياة الناس. قياس الأثر يسأل أسئلة مختلفة: هل تحسن استقرار الأسرة؟ هل عاد طفل إلى التعليم؟ هل أصبح المستفيد أقل اعتماداً على المساعدة؟ هل أنتج المشروع فرصة عمل؟ هل وصل الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة؟ هذه الأسئلة تحول المؤسسة من جهة تنفذ النشاطات إلى جهة تتعلم من تجربتها، وتراجع أولوياتها، وتوجه مواردها نحو التدخلات الأكثر قدرة على إحداث تغيير مستدام.
كما أن الأمل يحتاج إلى الاستمرارية. فالتدخل المتقطع قد يخفف ألماً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع دائماً معالجة هشاشة طويلة الأمد. ولهذا يصبح التخطيط ضرورياً، سواء في بناء قواعد معلومات تحفظ الخصوصية، أو تصنيف الاحتياجات، أو متابعة الحالات، أو إقامة شراكات مع المختصين والجهات القادرة على تقديم خدمات لا تستطيع المؤسسة تقديمها منفردة. والعمل الإنساني الحديث لا يقوم على فكرة أن مؤسسة واحدة تستطيع فعل كل شيء، وإنما على قدرتها على معرفة حدودها وبناء التعاون المناسب. فالشراكة ليست دليلاً على نقص المؤسسة، بل علامة على إدراكها أن المشكلات الإنسانية مركبة وتتطلب خبرات متعددة.
وفي هذا السياق يمكن فهم إعادة بناء الثقة بالإنسان على مستويين متلازمين. المستوى الأول هو أن يستعيد المحتاج ثقته بنفسه وبقدرته على تجاوز الأزمة؛ والمستوى الثاني هو أن يستعيد المجتمع ثقته بقيمة التضامن وبإمكان تحويل المسؤولية الأخلاقية إلى مؤسسات ومبادرات مستدامة. وبين المستويين تتحرك مؤسسة الحاج إدريس سورچي الخيرية بوصفها فضاءً يمكن أن يلتقي فيه العطاء بالحاجة من دون أن تتحول الحاجة إلى وصمة، وأن تتحول فيه المساعدة من مجرد نقل للموارد إلى بناء علاقة إنسانية تقوم على الاحترام.
إن المستقبل يفرض على المؤسسات الخيرية تحديات جديدة: ارتفاع تكاليف المعيشة، تغير أنماط الفقر، توسع الاحتياجات الصحية والتعليمية، التحول الرقمي، وتزايد ضرورة الشفافية وقياس النتائج. ومواجهة هذه التحديات تتطلب تطويراً دائماً في الإدارة وآليات اختيار البرامج والتواصل مع المجتمع. كما تتطلب الحفاظ على الروح التي نشأ منها العمل الخيري أصلاً: رؤية الإنسان قبل الملف، والحاجة قبل الصورة، والكرامة قبل الدعاية. فكل تطور تقني أو إداري يفقد هذه الروح قد يجعل المؤسسة أكثر تنظيماً لكنه لا يجعلها بالضرورة أكثر إنسانية.
ومن الحاجة إلى الأمل تتشكل، إذن، رحلة لا تختصرها لحظة تقديم المساعدة. إنها تبدأ بالإنصات إلى الإنسان، ثم فهم حاجته، ثم التدخل بما يحفظ كرامته، ثم التفكير في الطريق الذي يمنع تكرار الهشاشة قدر الإمكان. وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى مؤسسة الحاج إدريس سورچي الخيرية باعتبارها جزءاً من ثقافة أوسع تسعى إلى جعل الخير فعلاً منظماً وقادراً على صناعة أثر اجتماعي. فالقيمة الأسمى للمؤسسة ليست أن يبقى المحتاج مرتبطاً بها، بل أن يأتي يوم لا يحتاج فيه إلى مساعدتها؛ وليست أن تجعل الناس يتذكرون حجم ما قدمته، بل أن تساعدهم على استعادة الثقة بأنفسهم وبمجتمعهم وبإمكان وجود غد أكثر أمناً وكرامة. عند تلك النقطة يتحول العطاء من استجابة للحاجة إلى صناعة للأمل، ويتحول العمل الخيري من فعل مؤقت إلى مساهمة حقيقية في بناء الإنسان.

قد يعجبك ايضا
∧