المعرفة بين الجزء والكل في أدب الطفل المصور عند إد يونغ

شينوار ابراهيم

يعد أدب الأطفال من المجالات المهمة في الأدب، لأنه يخاطب الطفل في مرحلة أساسية من مراحل تكوين شخصيته… خياله وطريقة فهمه للعالم. ولا يقتصر أدب الأطفال على المتعة والتسلية، بل يسهم أيضاً في تنمية اللغة… الخيال… الملاحظة والتفكير ويمنح الطفل فرصة لاكتشاف نفسه والبيئة المحيطة به من خلال الحكاية والشخصيات والصورة.

يحتل الكتاب المصور مكانة خاصة في أدب الأطفال، حيث تتكامل فيه الكلمة مع الصورة لتكوين المعنى. فالصورة ليست مجرد عنصر جمالي يرافق النص … إنما يمكن أن تكون جزءاً من السرد ووسيلة تساعد الطفل على فهم الأحداث… الشخصيات والعلاقات بينها. من خلال الألوان… الأشكال وتتابع الصور، يستطيع الطفل أن يشارك في بناء القصة وأن يربط بين ما يراه وما يقرأه أو يسمعه.

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية كتاب (سبع فئران عمياء) (Seven Blind Mice) للكاتب والرسام إد يونغ، الذي يقدم من خلال حكاية بسيطة تجربة تجمع بين السرد… الصورة والملاحظة. الكتاب لا يعتمد على الحكاية وحدها، إنما يجعل الصورة والألوان وتتابع الأحداث عناصر أساسية في بناء المعنى. كما تتيح تجربة الفئران للطفل أن يلاحظ كيف يمكن لرؤية جزء من الشيء أن تؤدي إلى تفسير مختلف له وكيف يمكن للمعلومات المتفرقة أن تقود عند جمعها ومقارنتها إلى فهم أوسع.

من هنا تركز هذه الدراسة على الكتاب من زاوية أدب الطفل المصور، مع الاهتمام بالعلاقة بين النص… الصورة ودور العناصر البصرية في بناء المعنى. كما تتوقف عند الفكرة المركزية التي تقوم عليها الحكاية وهي العلاقة بين الجزء والكل… وما تثيره من أسئلة حول الإدراك… المعرفة والحكم على الأشياء. وبذلك يجمع الكتاب بين القيمة الفنية والتعليمية ويفتح في الوقت نفسه مجالاً للتأمل في الطريقة التي نرى بها العالم ونكون من خلالها أحكامنا عليه.

يعد كتاب الأطفال (سبع فئران عمياء) نموذجاً مميزاً في أدب الطفل المصور، لما يجمعه من بساطة الحكاية وثراء البناء البصري والفكري. استوحى إد يونغ حكايته من الحكاية الهندية القديمة المعروفة بحكاية (الرجال المكفوفين والفيل) وأعاد تقديمها في صيغة فنية تناسب الطفل وتفتح أمامه في الوقت نفسه أسئلة تتجاوز حدود الحكاية المباشرة.

نشر الكتاب لأول مرة عام 1992، وحصل على Caldecott Honor تقديراً لقيمته الفنية وإبداعه في استخدام الصورة والتصميم. تدور الحكاية حول سبعة فئران عمياء تواجه شيئاً غريباً عند حافة الماء. يتقدم الفئران واحداً تلو الآخر لاستكشاف هذا الشيء، فيتحسس كل واحد منهم جزءاً منه ويصفه وفقاً لما أدركه بحاسة اللمس. فيرى أحدهم أنه عمود ويراه آخر ثعباناً ويراه ثالث رمحاً وهكذا تتعدد التفسيرات رغم أن الفئران جميعاً تتعامل مع الشيء نفسه.

في اليوم السابع تتقدم الفأرة البيضاء لاستكشاف الشيء، فتتحسس أجزاءه المختلفة وتدرك أنه فيل كبير. عند هذه النقطة تتضح الفكرة الأساسية للحكاية: ما بدا للفئران أجزاء منفصلة وأشياء مختلفة لم يكن في الحقيقة سوى أجزاء من كائن واحد. من هنا تقدم القصة للطفل فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها وهي أن الحكم على الكل من خلال جزء محدود قد يقود إلى استنتاج غير دقيق وأن توسيع المعرفة يحتاج إلى الملاحظة… المقارنة وجمع المعلومات.

غير أن أهمية الحكاية لا تكمن فقط في الوصول إلى معرفة أن الشيء هو «فيل». فكل فأر من الفئران كان قد أدرك شيئاً حقيقياً بالفعل، لكنه جعل من إدراكه الجزئي تصوراً عن الكل. ولذلك فإن الخطأ هنا لا يتمثل في غياب المعرفة بصورة كاملة، بل في الاعتقاد بأن المعرفة الجزئية تمثل الحقيقة كلها. فالجزء الذي يلمسه الفأر ليس وهماً وما يصفه ليس بالضرورة كذباً، إنما المشكلة في الانتقال من الجزء إلى حكم نهائي على الكل.

من هنا يمكن قراءة الحكاية باعتبارها دعوة إلى إدراك حدود المعرفة وإلى التمييز بين ما نعرفه فعلاً وما نستنتجه مما نعرفه. هذا البعد يظهر داخل الحكاية بصورة طبيعية من دون أن تفقد بساطتها أو طبيعتها الموجهة إلى الطفل.

البناء البصري ودور الصورة

يتميز الكتاب بأسلوب بصري خاص يعتمد على الألوان الواضحة للفئران في مقابل الخلفية الداكنة، إلى جانب استخدام تقنية الكولاج وتكوينات بصرية تمنح الصفحات حضوراً فنياً واضحاً. فالرسوم ليست مجرد عنصر جمالي يرافق النص بل تؤدي وظيفة سردية وتعليمية أساسية وتساعد الطفل على متابعة تطور الأحداث وفهم العلاقة بين الفئران والشيء الذي تحاول اكتشافه.

ويستطيع الطفل من خلال الألوان… الأشكال والحركة البصرية أن يتابع اختلاف الفئران وتتابع مغامراتها، كما يستطيع أن يربط بين ما يقرأه وما يراه. وهنا تصبح الصورة جزءاً من عملية إنتاج المعنى، لا مجرد توضيح لما تقوله الكلمات.

الطفل لا يتلقى القصة عن طريق اللغة وحدها، بل يقرأ الصورة أيضاً. فهو يلاحظ اللون… الحجم… الشكل… المكان والعلاقة بين الشخصيات والأشياء. ومن خلال هذه العناصر تتشكل لديه معرفة تدريجية بالحدث. وهكذا يصبح الكتاب نفسه تجربة تقوم على الانتقال من أجزاء صغيرة من المعلومات إلى صورة أوسع.

هذه العلاقة بين الجزء والكل موجودة في البنية البصرية للكتاب كما هي موجودة في موضوع الحكاية. فالطفل يرى أجزاء من المشهد في كل صفحة… يتابع تغير الأحداث… ثم يبني تدريجياً صورة كلية للقصة. وبذلك لا تعمل الرسوم على جذب الانتباه فحسب، إنما تشارك في تشكيل المعرفة لدى القارئ الصغير.

المعرفة الجزئية والمعرفة الكاملة

تتمثل إحدى أهم القضايا التي تقدمها الحكاية في الفرق بين المعرفة الجزئية والمعرفة الأوسع. فالفئران السبعة لا تواجه سبعة أشياء مختلفة، إنما تواجه شيئاً واحداً لا تستطيع إدراكه كاملاً في البداية. وكل فأر يلمس جزءاً مختلفاً منه، ثم يبني تفسيره انطلاقاً من تجربته الخاصة.

هنا تظهر قيمة الملاحظة في أدب الطفل، لأن الطفل يتعلم من خلال القصة أن المعلومة الواحدة قد تكون صحيحة في حد ذاتها، لكنها لا تكفي دائماً للوصول إلى فهم كامل. فالقول إن جزءاً من الفيل يشبه العمود لا يجعل هذا الجزء عموداً، كما أن الجزء الذي يشبه الحبل أو الثعبان لا يتحول بذلك إلى حبل أو ثعبان.

ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم الرسالة التعليمية للحكاية بصورة أعمق: ليس المهم فقط أن نعرف، إنما أن نعرف حدود ما نعرفه. وهذا يفتح أمام الطفل بصورة مبسطة وغير مباشرة طريقاً نحو التفكير النقدي. فالطفل يتعلم ألا يتسرع في إصدار الحكم، بل يسأل… يقارن ويستمع إلى وجهات النظر الأخرى ويدرك أن ما يراه من زاوية واحدة قد لا يمثل الصورة كلها.

التعاون وتبادل المعرفة

تقدم القصة كذلك قيمة التعاون وأهمية الاستماع إلى الآخرين. فكل فأر يمتلك تجربة مختلفة وكل تجربة تضيف معلومة جديدة. وفي البداية تتعامل الفئران مع تجاربها بصورة منفصلة، لكن الوصول إلى فهم أوسع يصبح ممكناً عندما تتجاوز كل واحدة منها حدود تجربتها الفردية.

ومن هنا لا يظهر التعاون بوصفه قيمة اجتماعية وأخلاقية فقط، بل يمكن أن يظهر أيضاً بوصفه وسيلة للوصول إلى معرفة أوسع. فالمعرفة قد تكون موزعة بين أكثر من شخص وما لا يستطيع فرد أن يراه كاملاً قد يصبح أوضح عندما تجمع التجارب المختلفة.

هذه الفكرة قريبة من طبيعة المعرفة الإنسانية عموماً. فالإنسان لا يمتلك دائماً الصورة الكاملة، إنما يبني فهمه من الملاحظات… التجارب والمعلومات التي تتراكم وتتفاعل مع بعضها، لذلك فإن الاستماع إلى الآخر لا يعني بالضرورة التخلي عن الرأي الشخصي، بل قد يعني توسيع حدود المعرفة.

إد يونغ والأسلوب الفني

إد يونغ مؤلف الكتاب ورسامه… فنان أمريكي من أصل صيني، ولد عام 1931 واشتهر بأعماله في أدب الأطفال وبأسلوبه الذي يجمع بين السرد والصورة، مستفيداً من الحكايات الشعبية والأساطير والموروثات الثقافية المختلفة. ويظهر في أعماله اهتمام واضح بالعلاقة بين البساطة الشكلية والعمق الرمزي. فهو لا يقدم للطفل فكرة معقدة بصورة مباشرة، إنما يجعل الصورة والحكاية تقومان بجزء كبير من عملية التفكير. وفي (سبع فئران عمياء) يبدو هذا واضحاً في الطريقة التي تتحول بها تجربة بسيطة إلى سؤال حول الإدراك… الحقيقة وحدود المعرفة.

إن قيمة إد يونغ لا تكمن فقط في إعادة سرد حكاية قديمة، إنما في قدرته على إعادة تشكيلها بما يتناسب مع القارئ المعاصر الصغير، مع الاحتفاظ بجوهرها الفكري. فالحكاية الشعبية تنتقل من سياق ثقافي إلى كتاب مصور ومن حكاية شفوية إلى تجربة بصرية ومن فكرة أخلاقية مباشرة إلى تجربة معرفية يعيشها الطفل مع الشخصيات.

أدب الطفل بين المتعة والتفكير

تعد القصة مناسبة للأطفال في المراحل المبكرة ويمكن استخدامها في التعليم لتطوير مهارات متعددة، مثل التعرف إلى الألوان… الأشكال… الأيام والأعداد، إضافة إلى تنمية الملاحظة والاستنتاج والتفكير النقدي. غير أن قيمة الكتاب تتجاوز هذه الأهداف التعليمية المباشرة. فأدب الطفل الناجح لا يكتفي بأن يعلم الطفل معلومة محددة، إنما يساعده على بناء طريقة في النظر إلى العالم.

في هذه القصة يتعلم الطفل من خلال تجربة الفئران… أن الأشياء قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه من زاوية واحدة. وهنا تبرز أهمية الصورة مرة أخرى. فالطفل لا يطلب منه أن يستمع إلى درس نظري عن (الجزء والكل)، بل يشاهد الشخصيات وهي تخطئ في تفسير ما تراه، ثم يكتشف معها الحقيقة وبذلك تتحول الفكرة إلى تجربة سردية وبصرية يمكن للطفل أن يفهمها ويتذكرها.

بين الجزء والكل

يمكن النظر إلى (سبع فئران عمياء) بوصفها نموذجاً واضحاً للعلاقة بين الجزء والكل في أدب الطفل المصور. فالجزء ليس بالضرورة خطأ، لكنه لا يمثل دائماً الكل. وكل فأر من الفئران امتلك جزءاً من المعرفة، غير أن المعرفة الأوسع ظهرت عندما أصبح من الممكن جمع الأجزاء وفهم العلاقة بينها.

وهذه الفكرة تجعل الحكاية قابلة لقراءات متعددة. فهي في المستوى الأول قصة بسيطة وممتعة للأطفال وفي المستوى الثاني درس في الملاحظة … التعاون والتفكير النقدي وفي مستوى أعمق تطرح سؤالاً عن طبيعة المعرفة الإنسانية: كيف ننتقل من التجربة المحدودة إلى فهم أوسع؟ وكيف نميز بين ما أدركناه فعلاً وبين الحكم الذي بنيناه انطلاقاً منه؟

ومع ذلك فإن الوصول إلى (الكل) في الحكاية لا يعني بالضرورة الوصول إلى معرفة مطلقة بكل شيء. فالفأرة البيضاء استطاعت أن تدرك أن الشيء فيل، لكنها لم تعرف كل ما يمكن معرفته عن الفيل. وهذا يجعل الحكاية عند قراءتها من زاوية معرفية أكثر ثراءً من مجرد القول إن (الحقيقة تظهر عندما نرى الصورة كاملة). فقد تكون معرفتنا دائماً قابلة للتوسع وقد يكون ما نسميه (الكل) مرحلة أوسع من المعرفة وليست نهاية المعرفة.

يقدم إد يونغ في (سبع فئران عمياء) نموذجاً فنياً وأدبياً مميزاً في أدب الطفل المصور، حيث تتكامل الحكاية مع الصورة والألوان والتصميم لتقديم تجربة تجمع بين المتعة… التعليم والتفكير. وتكمن قوة الكتاب في أنه لا يقدم للطفل درساً مباشراً عن المعرفة، إنما يجعله يكتشف الفكرة من خلال تجربة الفئران نفسها. فكل فأر يرى جزءاً وكل جزء يحمل معلومة، لكن الحقيقة الأوسع لا تظهر إلا عندما تتجاوز الشخصيات حدود الرؤية المنفردة وتحاول فهم العلاقة بين الأجزاء.

ومن هنا تصبح الحكاية مثالا ًبسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه على أن المعلومة الجزئية قد تكون صحيحة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الكل. كما تعلم الطفل أن الملاحظة تحتاج إلى صبر… وأن الاستنتاج يحتاج إلى أدلة والاستماع إلى الآخرين يمكن أن يوسع المعرفة… والحقيقة قد تكون أكبر من الانطباع الأول. وهكذا ينجح إد يونغ في تحويل حكاية شعبية قديمة إلى عمل فني معاصر يخاطب الطفل بلغته البصرية والسردية ويمنحه في الوقت نفسه مساحة للتأمل في العالم من حوله. فالكتاب لا يعلم الطفل فقط أن الفيل يتكون من أجزاء مختلفة، بل يفتح أمامه بصورة غير مباشرة سؤالاً أكبر: كيف نعرف الأشياء التي نراها؟ وهل الجزء الذي نعرفه يكفي لكي نفهم الكل؟

وهنا تكمن إحدى أجمل إمكانات أدب الطفل المصور: أن يبدأ من حكاية صغيرة، ثم يترك في ذهن الطفل سؤالاً أكبر من الحكاية نفسها.

قد يعجبك ايضا