العراق في مهبّ التحولات العالمية: بين فرص النهوض ومخاطر الانتظار

د.اكرم الفهداوي

لم يعد مستقبل العراق شأناً داخلياً منفصلاً عن التحولات الكبرى التي تعصف بالعالم. فالنظام الدولي يشهد إعادة تشكيل متسارعة، تداخلت فيها الأزمات الأمنية مع التنافس الاقتصادي والتكنولوجي، وترافقت مع تغيرات مناخية وديموغرافية عميقة. وفي خضم هذه التحولات، يقف العراق أمام لحظة تاريخية دقيقة: فإما أن يحوّل موارده وموقعه الجغرافي وطاقاته البشرية إلى عناصر قوة، أو يظل أسيراً لإدارة الأزمات وتأجيل الإصلاحات.

يتمتع العراق بمقومات يصعب تجاهلها. فهو يمتلك ثروة نفطية كبيرة، وموقعاً يربط بين الخليج وبلاد الشام وتركيا، فضلاً عن سوق واسعة وطاقات بشرية شابة وتراث حضاري يمنحه مكانة رمزية في المنطقة. غير أن هذه المقومات لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية أو اقتصادية. فالثروة، من دون مؤسسات كفوءة، قد تصبح عاملاً لتعميق الاعتماد على مورد واحد، والموقع الجغرافي، من دون سياسة خارجية متوازنة، قد يتحول إلى مصدر للتجاذب، أما الشباب، من دون تعليم وفرص عمل، فقد يتحولون من طاقة للنهوض إلى عنوان للاحتجاج والاغتراب.

إن أول تحدٍّ يواجه العراق يتمثل في طبيعة اقتصاده الريعي. فالاعتماد الواسع على إيرادات النفط يجعل المالية العامة شديدة التأثر بتقلبات الأسواق العالمية، ويحد من قدرة الدولة على بناء اقتصاد منتج ومستدام. لذلك لم يعد تنويع الاقتصاد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية. ويشمل ذلك دعم الزراعة والصناعات التحويلية، وتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتوفير بيئة قانونية مستقرة تحمي المستثمر والعامل معاً.

ولا يمكن تحقيق هذا التحول من دون إصلاح إداري ومؤسسي جاد. فالتنمية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرة المؤسسات على التخطيط والتنفيذ والمساءلة. إن مكافحة الفساد ينبغي ألا تظل شعاراً عاماً، بل أن ترتبط بإجراءات واضحة، من بينها رقمنة المعاملات، وتعزيز استقلال أجهزة الرقابة، وربط التعيين بالكفاءة، وإتاحة المعلومات أمام المواطنين. فالدولة القوية ليست الدولة الأكثر إنفاقاً، وإنما الأكثر قدرة على تحويل الإنفاق إلى خدمات وفرص وتنمية.

ويأتي التغير المناخي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد. فشح المياه، وتراجع الأراضي الزراعية، وارتفاع درجات الحرارة، ليست قضايا بيئية فقط، بل تهديدات اقتصادية واجتماعية وأمنية. ومن ثم يحتاج العراق إلى استراتيجية وطنية للمياه تقوم على تحديث أساليب الري، وتقليل الهدر، وتطوير التعاون الإقليمي، وحماية الأنهار والأهوار، إلى جانب الاستثمار في الطاقة المتجددة. فمعالجة الأزمة المناخية يجب أن تصبح جزءاً من التخطيط الاقتصادي، لا ملفاً هامشياً يدار عند وقوع الكارثة.

أما على المستوى السياسي، فإن مستقبل العراق يرتبط بقدرته على بناء دولة تتسع لتنوع المجتمع، وتضع المصلحة الوطنية فوق التنافس الفئوي. فالتعددية السياسية لا تكون منتجة إلا عندما تقترن بقواعد عادلة للمنافسة، وبمؤسسات دستورية مستقرة، وبثقافة تقبل التداول السلمي للسلطة. كما أن السياسة الخارجية العراقية مطالبة بالتحرك وفق مبدأ التوازن، بحيث يحافظ العراق على علاقاته المختلفة، من دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.

ويظل التعليم العامل الحاسم في رسم صورة العراق المقبلة. فالعالم يتجه نحو اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، بينما لا تزال النظم التعليمية في كثير من البلدان العربية تواجه فجوة بين مخرجاتها ومتطلبات سوق العمل. لذلك فإن إصلاح التعليم العراقي ينبغي أن يتجاوز تحديث المناهج إلى إعادة بناء البيئة التعليمية، وربط الجامعات بالبحث العلمي والإنتاج، وتوسيع التدريب المهني، وتأهيل الشباب للمهن الجديدة.

إن مستقبل العراق لن يتحدد بالموارد وحدها، ولا بالضغوط الخارجية وحدها، بل بقدرة العراقيين على تحويل التحديات إلى مشروع وطني طويل الأمد. فالدول لا تنهض بانتظار الظروف المثالية، وإنما بصناعة المؤسسات، وترسيخ القانون، وتحرير الاقتصاد من الجمود، وإعادة الاعتبار للعمل والمعرفة والمواطنة.

وفي ظل عالم مضطرب، لا يحتاج العراق إلى أحلام كبيرة بقدر حاجته إلى سياسات واقعية وإرادة مستمرة. وإذا نجح في بناء دولة عادلة وكفوءة، وتنويع اقتصاده، وحماية موارده، وتمكين شبابه، فسيغدو عاملاً مؤثراً في محيطه، لا مجرد ساحة تتقاطع فيها أزمات الآخرين. أما الاستمرار في تأجيل الإصلاح، فلن يحافظ على الوضع القائم، بل سيجعل كلفة التغيير أعلى وأشد تعقيداً.

قد يعجبك ايضا