متابعة التآخي
يطرح المقال تحليلاً نفسياً واجتماعياً يعيد تعريفمفهوم الصداقة وأثرها التراكمي في تشكيل الهويةالفردية، مبنياً على القصة الرمزية للشاب الذي فقدطموحه تدريجياً بسبب مجارته لمحيط سلبي. ويتطرقإلى تفكيك آليات التأثر الفكري والشعوريبالأصدقاء، معرجاً على الرؤية النبوية والقرآنيةللتآلف والبيئة النفسية، ومؤكداً أن اختيار الصديقيمثل اختياراً للبوصلة الأخلاقية والمهنية للإنسان…
هناك شابٌّ بدأ حياته المهنية بحماس واضح، وكانيملك من الطموح ما يكفي لأن يذهب بعيدًا في عمله. لم يكن ينقصه الذكاء ولا القدرة، لكنه كان يقضيمعظم وقته مع مجموعة من الأصدقاء الذين يسخرونمن كل محاولة للتغيير، ويعدّون الطموح نوعًا منالمبالغة، والعمل الجاد أمرًا لا يستحق كل هذا العناء. بعد سنوات قليلة، لم يتغير أصدقاؤه كثيرًا، لكنه تغيّرهو؛ خفَّ اندفاعه، تراجعت أحلامه، وأصبح يبررلنفسه ما كان يرفضه سابقًا. لم يخسر فرصة واحدةفي ذلك اليوم؛ لقد خسر بالتدريج الطريقة التي كانيرى بها نفسه. وربما هنا يبدأ السؤال الأكثر أهمية: هل نختار أصدقاءنا فعلًا، أم أن شخصياتنا هيالتي تقودنا، من حيث لا نشعر، إلى أشخاصيشبهونها؟
الصداقة تبدو في بدايتها علاقة بسيطة بينشخصين يجد كل منهما راحة في الآخر، غير أنأثرها يتجاوز جلسة عابرة أو حديثًا مشتركًا. فالإنسان يتأثر بمن يحيطون به أكثر مما يتصور،لأن الأفكار لا تنتقل إليه دائمًا على هيئة نصائحمباشرة؛ قد تنتقل إليه من طريقة الحديث، ومنالمواقف اليومية، ومن الأشياء التي يضحك عليهاالآخرون، ومن السلوك الذي يصبح مألوفًا بالتكرار. ومع الزمن يبدأ الإنسان في تبني بعض ما يراهحوله، حتى يصبح السلوك الذي كان غريبًا عنه فيالبداية جزءًا من عاداته، وقد يجد نفسه يدافع عنهكما لو كان اختياره الشخصي.
ولهذا لا تبدو الصداقة علاقة خارجية تمامًا عنتكوين الإنسان؛ إنها إحدى البيئات التي تنمو فيهاشخصيته. فالإنسان يميل غالبًا إلى من يشعر معهمبالتوافق النفسي والفكري، ويجد في صحبتهم قدرًامن الأمان والقبول. وهذه ميزة مهمة عندما يكونالمحيط محفزًا على التعلم والعمل والنمو، لكنهاتتحول إلى مشكلة حين يصبح التوافق قائمًا علىالكسل أو السخرية أو التشاؤم أو الاستهزاءبالنجاح. عندها لا يعود الصديق مجرد رفيق وقت،وإنما يصبح جزءًا من المناخ الذي تتشكل داخلهاختيارات الإنسان ونظرته إلى الحياة.
ولذلك جاءت الحكمة النبوية شديدة الوضوح: «المرءعلى دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فالمعنىهنا لا يتوقف عند الدين بمعناه الضيق، وإنما يفتحسؤالًا أوسع عن قابلية الإنسان للتأثر بمن يرافقهم. من يجالسهم طويلًا يشاركهم شيئًا من لغتهم،وطريقة تفكيرهم، ونظرتهم إلى النجاح والفشل،وحتى تعريفهم لما هو مقبول أو مرفوض. ومع كثرةالمخالطة تصبح بعض الأفكار مألوفة، وبعضالسلوكيات طبيعية، ولذلك فإن اختيار الصديق ليساختيار شخص نتحدث معه فقط؛ إنه اختيار بيئةنفسية وفكرية نعيش داخلها.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تكون بعض الصداقات نقطةتحول في حياة الإنسان. فقد يدخل شخص إلىحياة آخر فيدفعه إلى القراءة، أو يعلمه الانضباط، أويشجعه على الدراسة، أو يلفت انتباهه إلى موهبة لميكن يعرفها في نفسه. وقد يكون الصديق الجيد هوالإنسان الذي يقول لك الحقيقة عندما يصفق لكالآخرون، وينبهك إلى خطئك عندما تبحث عن منيبرره، ويشجعك على المحاولة عندما تكون أقرب إلىالاستسلام. مثل هذه الصداقة لا تمنح الإنسانشعورًا بالراحة فقط؛ إنها توسع قدرته على رؤيةنفسه والحياة من زاوية أكثر نضجًا.
أما الصداقة السيئة فلا تبدأ بالضرورة من الجريمةأو الانحراف أو السلوك الصريح المؤذي. قد تبدأ منشيء يبدو صغيرًا: الاستهزاء بالدراسة، أو احتقارالعمل، أو السخرية من الطموح، أو الاعتياد علىالكذب، أو تبرير الغش، أو النظر إلى النجاحباعتباره حظًا أو واسطة لا جهدًا. الخطر أن الإنسانيتكيف مع ما يتكرر حوله، وما كان يرفضه فيالبداية قد يصبح مع الوقت أقل إثارة لقلقه الأخلاقي. ولهذا لا تكون المشكلة دائمًا في الصديق الذييدفعك إلى الخطأ مباشرة، وإنما في المحيط الذييجعل الخطأ يبدو عاديًا.
والقرآن يضع هذه الحقيقة في مشهد بالغ الدلالةحين يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّاالْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فالصداقة التي تقوم علىمنفعة عابرة قد تنتهي بانتهاء المنفعة، والعلاقة التيتجمع أصحابها على سلوك خاطئ قد تنقلب عندظهور النتائج إلى تبادل للاتهامات والندم. وفيالمقابل، الصداقة التي تقوم على الصدق والخيروالمساندة تستطيع أن تتحول إلى علاقة أكثر رسوخًامن مجرد الصحبة؛ لأنها لا تحتاج إلى مصلحةمستمرة حتى تبقى.
ولعل أخطر ما في الصديق السيئ أنه لا يأخذ منكقرارًا واحدًا؛ إنه قد يغيّر معيارك في اتخاذ القرارات. فإذا كان المحيط الذي تعيش فيه يسخر من النجاح،يصبح النجاح شيئًا محرجًا. وإذا كان يعتبر الالتزامسذاجة، يصبح الالتزام عبئًا. وإذا كان يرى الاعتذارضعفًا، يصبح الاعتراف بالخطأ صعبًا. وإذا كانيتعامل مع المال باعتباره الغاية الوحيدة، فقد تبدأفي قياس الناس والنجاح بالطريقة نفسها. وهنايصبح تأثير الصداقة أعمق من السلوك؛ إنها قدتعيد صياغة المقياس الذي نحاكم به الأشياء.
في المقابل، لا يعني اختيار الأصدقاء أن يبحثالإنسان عن أشخاص يطابقونه في كل شيء. الصداقة الناضجة لا تقوم على التشابه الكامل،وإنما على وجود قيم مشتركة تسمح بالاختلاف مندون أن يتحول الاختلاف إلى تهديد. قد يختلفالصديقان في المهنة والسياسة والذوق والاهتمامات،لكنهما يتفقان على الصدق والاحترام وحفظ الكرامةوالوفاء. ومن هنا تكون الصداقة مساحة لتوسيعالأفق لا لتكرار الذات؛ فالصديق المختلف يمكن أنيعلمك شيئًا لا تستطيع رؤيته وأنت واقف داخلزاويتك الخاصة.
ولهذا فإن الصديق الحقيقي ليس من يوافقك دائمًا،وإنما من يساعدك على أن تكون أفضل. قد يعارضكعندما تكون مخطئًا، ويوقفك عندما تندفع، ويذكّركبما تنساه عندما تغريك اللحظة. وقد لا يقول لكالكلام الذي ترغب في سماعه، لكنه يقول ما تحتاجإلى سماعه. هذه العلاقة تحتاج إلى قدر من النضج؛لأن الإنسان الذي يريد من أصدقائه التصفيق الدائمسيجمع حوله أشخاصًا يؤكدون أخطاءه بدل أنيساعدوه على اكتشافها.
وتزداد أهمية هذا الأمر في مرحلة الشباب، حينتكون الشخصية في طور التكوين وتكون الحاجةإلى القبول الاجتماعي قوية. فالإنسان في هذهالمرحلة قد يتنازل أحيانًا عن رأيه أو سلوكه كي لايشعر بأنه مختلف عن المجموعة. ومع انتشار وسائلالتواصل الاجتماعي أصبحت دائرة التأثير أكبر؛ فلميعد الصديق شخصًا نجلس معه في المكان نفسه،وإنما قد يكون نموذجًا نتابعه يوميًا ونستهلك لغتهوأفكاره وطريقته في النظر إلى النجاح والجمالوالمال والعلاقات. وهكذا اتسعت دائرة «الصحبة»من الأشخاص الذين نعرفهم إلى الأشخاص الذيننسمح لهم بالدخول المتكرر إلى وعينا.
ومن هنا يصبح من الضروري أن نعيد تعريفالصداقة في زمننا. ليست القضية في عددالأشخاص الموجودين في قائمة الاتصال، ولا فيعدد المتابعين، ولا في كثرة اللقاءات، وإنما في نوعالأثر الذي تتركه هذه العلاقات فينا. بعد أن تجلسمع شخص ما، هل تشعر بأنك أكثر وضوحًا تجاهحياتك؟ هل يدفعك إلى العمل؟ هل يحترم غيابك كمايحترم حضورك؟ هل يحفظ سرك؟ هل يستطيع أنيفرح لنجاحك من دون أن يحوله إلى منافسة؟ وهليمكنك أن تختلف معه من دون أن تخسر إنسانيتكمعه؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من معرفة عدد سنواتالصداقة.
وفي الجانب الآخر، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًاأكثر قسوة: أي نوع من الأصدقاء نحن؟ لأن الحديثعن اختيار الآخرين يصبح ناقصًا إذا لم نراجع أثرنانحن فيهم. قد يشتكي الإنسان من صديق سلبي،بينما يكون هو نفسه مصدرًا دائمًا للتشاؤم في حياةالآخرين. وقد يبحث عن صديق أمين وهو لا يحفظأسرار أصدقائه. وقد يريد شخصًا يشجعه فيأوقات الفشل، بينما يسخر هو من محاولاتالآخرين. الصداقة إذن ليست اختيارًا من طرفواحد؛ إنها مسؤولية متبادلة، وما نطلبه من الآخرينينبغي أن نكون قادرين على تقديمه لهم.
وهنا تلتقي الصداقة مع فكرة النجاح بطريقة أكثرعمقًا. النجاح ليس نتيجة الموهبة الفردية وحدها،وإنما هو أيضًا نتيجة البيئة التي تحيط بالإنسان. قد يمتلك شخصان القدرات نفسها، ثم يختلفمسارهما لأن أحدهما وجد حوله من يشجعه علىالاستمرار، بينما عاش الآخر في محيط يستهلك ثقتهبنفسه. لذلك فإن بناء شبكة إنسانية جيدة ليس ترفًااجتماعيًا، وإنما استثمار طويل الأمد في الشخصيةوالمستقبل. بعض الأشخاص لا يعطونك فرصة أومالًا أو وظيفة، لكنهم يعطونك شيئًا قد يكون أهم: نسخة أفضل من نفسك.
ولا يعني ذلك أن يقطع الإنسان كل علاقة تختلف معهأو أن يحوّل حياته إلى دائرة مغلقة من الأشخاصالمتشابهين. النضج الحقيقي هو أن تعرف حدودالتأثر. يمكنك أن تصادق من يختلف معك، وأنتحترم من لا يشبهك، وأن تتعلم من المختلف، من دونأن تسمح لأحد بأن يسحبك إلى سلوك يتعارض معقيمك. فالاستقلال الحقيقي لا يعني العزلة عنالآخرين، وإنما القدرة على الاستفادة من الآخرينمن دون فقدان البوصلة الداخلية.
لذلك، قبل أن تقول: «هذا صديقي»، ربما يستحقالأمر أن تسأل: ماذا يحدث لي عندما أكون معه؟ هلأخرج من صحبته بفكرة جديدة أم بطاقة سلبية؟ هليجعلني أكثر شجاعة في مواجهة أخطائي أم أكثرقدرة على تبريرها؟ هل أجد معه مساحة للنمو أمأعيش معه في منطقة الراحة نفسها؟ والأهم: إذااستمرت هذه العلاقة عشر سنوات بالطريقة نفسها،فهل سأكون سعيدًا بالشخص الذي أصبحت عليه؟
هذه ليست دعوة إلى اختيار الأصدقاء وفق حساباتباردة، وإنما إلى وعي بسيط بأثر العلاقات فيصناعة الإنسان. اختر من يفرح بتقدمك، ويحفظكرامتك، وينصحك من دون إذلال، ويختلف معك مندون عداء، ويعرف أن الصداقة ليست امتلاكًا للآخروإنما مشاركة في طريق الحياة. وكن أنت أيضًا ذلكالصديق الذي لا يزيد أثقال الآخرين، وإنمايساعدهم على حملها، ولا يطفئ أحلامهم، وإنمايذكرهم بأن لديهم قدرة على تحقيقها.
وفي النهاية، قد لا نستطيع اختيار كل الأشخاصالذين يمرون في حياتنا، لكننا نستطيع أن نقرر مننمنحه المساحة الأكبر في داخلها. ولذلك فإنالنصيحة العملية ليست أن تسأل فقط: من همأصدقائي؟ وإنما أن تراجع بين فترة وأخرى أثرهمفيك، وأثرك فيهم، ثم تحتفظ بالعلاقات التي تزيدكإنسانيةً ووعيًا وشجاعةً، وتضع حدودًا واضحة أمامالعلاقات التي تدفعك إلى عكس ذلك. فالصديق الذيتختاره اليوم قد لا يغيّر يومك فقط؛ قد يشارك فيصناعة الإنسان الذي ستكون عليه غدًا.