11 أيلول… شرارة الأحرار

صلاح بكر

​في الحادي عشر من أيلول عام 1961، لم تكن الشحوب التي تعلو جبال كوردستان مجرد ضباب خريفي عابر، بل كانت أنفاس غضب يتصاعد من أسرّة القرى المهدمة وصرخات الشرف المستباح. في تلك الليلة الظلماء، وقف البارزاني الخالد كشجرة بلوط دهرية لم تهزها العواصف، يلتحف كوفيتها الحمراء وتطل من عينيه حكمة السنين، ليعلن شرارة “ثورة أيلول” المظفرة؛ الثورة التي لم تكن مجرد نضال مسلح، بل كانت قيامة شعب كامل رفض أن يُدفن حياً تحت ركام الظلم.

​شرارةٌ من رحم الانكسار

​لم ينبت قرار المواجهة في قلب البارزاني الخالد فجأة، بل كان سليل تراكمات مريرة ونكثٍ متكرر بالعهود. فبعد أن تنكرت السلطات المتلاحقة في بغداد لتعهداتها بمنح الكورد حقوقهم المشروعة، واجهت هذا الشعب الأبي بأساليب التهميش القاسي، والقمع الممنهج، وسياسات التذويب التي استهدفت الهوية والوجود. كان حبر الميثاق الوطني ينزف على أوراق السياسة، وحين أُغلقت كل أبواب الحوار واستبد بها الكبرياء، لم يبقَ أمام الكورد سوى خيارين: إما الاستسلام الأبدي أو معانقة الجبال. اختار البارزاني أن يوقد الشعلة من قمم “بارزان”، لتتحول كل قمة جبلية إلى حصن، وكل إنسان كوردستاني إلى صدى يتردد بصوته الداعي إلى الكرامة والانعتاق.

​زلزالٌ غيّر وجه التاريخ

​لم تكن تداعيات الثورة مجرد معارك تُكسب وأراضٍ تُحرر، بل كانت زلزالاً فكرياً وسياسياً هز أركان المنطقة برمتها. على الصعيد الاجتماعي، ذابت الخلافات العشائرية والطبقية تحت راية الپیشمرگە؛ إذ تحول الفلاح والأكاديمي والشاعر إلى رفاق سلاح يقتسمون كسرة الخبز اليابسة وحلم الحرية الأسمى. وعسكرياً، أثبتت الثورة للعالم أن الإرادة الصلبة كفيلة بدحر أعتى الجيوش الجرارة، حيث استطاعت قوة الپیشمرگە الإيمانية بأسلحتها البسيطة أن ترغم السلطات على الانصياع والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

​ولعل الأثر الأبرز لهذه الملحمة الخالدة تجلى في اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970، حين أُجبرت الحكومة لأول مرة في التاريخ الحديث على الاعتراف المكتوب والرسمي بالحكم الذاتي للشعب الكوردي. لقد تحولت “ثورة أيلول” من مجرد انتفاضة جبلية إلى المظلة الأم والأنساس المتين الذي ولدت منه كل المكاسب الدستورية والسياسية التي يرفل بها إقليم كوردستان اليوم.

​الرمز الذي لا يموت

​لقد رحل البارزاني الخالد جسداً، لكنه زرع في ذاكرة الأمة مدرسة في الصمود والتضحية تُدرّس للأجيال المتلاحقة. لم تكن ثورة أيلول العظيمة مجرد فصل عابر في كتاب تاريخ مطوي، بل كانت لحظة انبعاث أبدي للروح الكوردية، وأثبتت للعالم أجمع أن السلاسل مهما بلغت صلابتها وتجبرها، تتكسر دائماً تحت أقدام الأحرار الذين يصرون على معانقة السماء وصعود الجبال.

قد يعجبك ايضا