زنون سليفاني ـ زاخو
الحياة الإنسانية، بمجرد أن ترتقي من مرحلة البقاء البيولوجي البحت إلى رحاب الطموح وصناعة الكيان، فإنها تدخل في مخاض عسير يتجاوز مجرد الرغبة إلى صراع الإرادات. فمن ذا الذي يطمح لبناء كيان – سواء كان فرداً، مجتمعاً، أو أمة – ولا يصطدم بجدران الواقع وصلابته؟ إن حتمية الوجود الفاعل تستوجب حتمية الممانعة؛ فكلما علا سقف الطموح، كلما تضاعفت التحديات، وتنوعت الأزمات.
إن بناء الكيان ليس هبة تُمنح، بل هو انتزاع للوجود من بين أنياب الفوضى والعدم. وفي طريق هذا التأسيس، تبرز العقبات كأنها حراس على أبواب النجاح، تختبر مدى صلابة الإرادة ونقاء الغاية. هذه المشاكل ليست طارئة أو استثنائية، بل هي جزء بنيوي من صيرورة التغيير والارتقاء. التاريخ الإنساني شاهد حي على أن الأمم والمجتمعات التي صنعت لها شأناً، لم تبلغ ذلك على مهاد من رند، بل عبر دروب شائكة ملأى بالأشواك والعقبات.
ومن أبرز هذه التحديات، التحدي الداخلي المتمثل في مقاومة التغيير والتخلص من ترسبات الجمود والاتكالية. فبناء الكيان يتطلب أولاً تفكيك العقليات التقليدية التي تخشى المجهول وتألف المألوف، حتى وإن كان مؤلماً. إضافة إلى ذلك، تبرز العقبات الخارجية المتمثلة في المصالح المتقاطعة، والظروف الموضوعية المعقدة التي تحاول وأد أي محاولة للنهوض والانعتاق. هذه المشاكل قد تأخذ طابعاً سياسياً، أو اقتصادياً، أو حتى ثقافياً وفكرياً، لكنها في جوهرها تلتقي عند نقطة واحدة: محاولة كسر الإرادة الداعية إلى التغيير.
غير أن سر القوة لا يكمن في غياب المشاكل، بل في كيفية مقاربتها وإدارتها. فالأمم الحية لا تنكسر أمام العواصف، بل تحولها إلى طاقة دافعة لمزيد من الثبات والتطور. إن التحديات هي التي تصقل التجارب، وتمنح الكيان مناعته التاريخية. فالحديد لا يشتد إلا بالنار، والكيانات لا تترسخ جذورها في الأرض إلا إذا تعلقت بهمتها فوق السحاب رغم هبوب الرياح.
وفي الختام، فإن طريق الكيان هو طريق ذو شقين: إرادة بناء وعزم مواجهة. فمن أراد أن يكون له كيان حقيقي وفاعل، عليه أن يوطد عزمه على استقبال المشاكل بصدر رحب، وأن يؤمن بأن كل عقبة تتهاوى أمام الإرادة الواعية هي لبنة إضافية في صرح المجد والاستقلال الذاتي.