حين تحاكم الدولة أدوات الجريمة لا صانعيها

أنس الشيخ مظهر

عندما تعلن السلطات عن القبض على أشخاص شاركوا في خطف صحفي، أو استهداف سفارة، أو تنفيذ عملية اغتيال، ثم تصدر بحقهم أحكام بالسجن، يبدو المشهد للوهلة الأولى مكتملاً: جريمة وقعت، والجناة اعتُقلوا، والمحكمة أصدرت أحكامها، وبالتالي يفترض أن تكون العدالة قد أخذت مجراها. لكن في الجرائم ذات الطبيعة السياسية والأمنية، وخصوصاً تلك التي تنفذها جماعات منظمة، فإن هذه النهاية قد تكون في الحقيقة بداية السؤال الأهم: من الذي يقف خلف المنفذين؟

الجريمة المنظمة لا تبدأ لحظة إطلاق النار أو اقتياد المخطوف، وإنما تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، عند اتخاذ القرار وتوفير المعلومات والمال والسلاح ووسائل النقل والاتصالات والحماية. ولهذا فإن الوصول إلى الشخص الذي نفذ العملية لا يعني بالضرورة الوصول إلى الجريمة نفسها، بل قد يعني الوصول إلى الحلقة الأخيرة فقط من سلسلة طويلة من المسؤوليات.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية في التعامل مع بعض الجرائم السياسية في العراق. فالمنفذ قد يكون معروفاً وقابلاً للمحاكمة، بينما تبقى الجهة التي خططت للعملية أو مولتها أو وفرت لها الغطاء بعيدة عن المساءلة. وفي هذه الحالة، تكون الدولة قد عاقبت الشخص الذي ارتكب الجريمة، لكنها لم تفكك القدرة التي أنتجت الجريمة.

المنفذ في العمليات المنظمة ليس بالضرورة أهم شخص في العملية، وقد يكون في الواقع أكثر عناصرها قابلية للاستبدال. فإذا سُجن شخص نفذ عملية ما، تستطيع الجهة التي تقف خلفه أن تبحث عن شخص آخر عندما تتوافر الظروف المناسبة. أما إذا تمكنت الدولة من الوصول إلى الشبكة التي جندته ومولته وسلحته وحمته، فإنها لا تعاقب الماضي فحسب، وإنما تقلل احتمال تكرار الجريمة.

وهنا يجب أن يتغير السؤال من «من نفذ؟» إلى «كيف أمكن لهذه الجريمة أن تحدث؟». هذا السؤال يقود إلى سلسلة أخرى:

من اتخذ القرار؟

من وفر المال؟

من قدم المعلومات؟

من أمن الحركة؟

من وفر السلاح؟

من تولى حماية المشاركين بعد العملية؟

ومن امتلك القدرة على التأثير في مسار التحقيق أو منع الوصول إلى مستويات أعلى من المسؤولية؟

هذه ليست أسئلة إضافية على هامش القضية، وإنما هي جوهرها. فالقتل السياسي، والخطف، واستهداف البعثات الدبلوماسية، لا يمكن فهمها دائماً كجرائم جنائية منفصلة عن السياق الذي أنتجها. بعضها يحمل رسالة سياسية تتجاوز الضحية نفسها , فالاغتيال قد يكون هدفه إسكات شخص، لكنه قد يكون في الوقت نفسه رسالة إلى عشرات آخرين، والقصف قد لا يستهدف المبنى بقدر ما يستهدف القرار السياسي الموجود خلفه، والخطف قد يكون المقصود منه خلق الخوف لدى بيئة كاملة من الصحفيين أو الناشطين أو السياسيين.

ولهذا فإن الاقتصار على المنفذ قد يحول جريمة ذات أبعاد سياسية إلى قضية جنائية صغيرة، تنتهي بمجرد صدور الحكم. وهنا تتحول العقوبة، من حيث لا تقصد الدولة، إلى نوع من النهاية الإعلامية للقضية: اعتقال، اعتراف، محاكمة، حكم، ثم يغلق الملف تدريجياً في الوعي العام، بينما تبقى البنية التي أنتجت الجريمة قائمة.

الأخطر من ذلك أن المنفذ قد يتحول إلى جدار يفصل بين الجريمة وصانع القرار. فإذا استطاعت الدولة أن تقول للرأي العام إن «المتهمين» هم هؤلاء الأشخاص، فقد يبدو أن المسؤولية حُددت بالكامل، حتى لو كانت الأدلة تشير إلى وجود مستويات أخرى من التخطيط والتنظيم. ولذلك فإن الاعتراف، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يكون نهاية التحقيق. فالاعتراف يمكن أن يجيب عن سؤال «ماذا فعل هذا الشخص؟»، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأكثر أهمية: «لماذا فعل ذلك، ومن الذي جعله يفعل؟».

وهنا تصبح الأدلة غير المرتبطة بالاعتراف أكثر أهمية:

حركة الأموال،

الاتصالات،

مصادر السلاح،

المراقبة التي سبقت العملية، العلاقات بين المشاركين،

والجهات التي استفادت من نتائجها.

وفي الجرائم السياسية تحديداً، قد يكون سؤال «من استفاد؟» أحد المفاتيح التي تساعد على فهم دوافع الجريمة، من دون أن يعني ذلك تلقائياً أن المستفيد هو من أمر بها.

قضية اغتيال هشام الهاشمي تقدم درساً مهماً في هذا السياق. فقد قُدم متهم للرأي العام، وعُرضت اعترافات وتفاصيل عن العملية، ثم جاءت لاحقاً تطورات قضائية وسياسية أعادت طرح الأسئلة حول الملف. والمغزى الأوسع هنا ليس فقط مصير شخص بعينه، وإنما هشاشة بناء القضايا الكبرى عندما تختزل في فرد واحد. فكلما كانت الجريمة ذات طبيعة سياسية، أصبحت الحاجة أكبر إلى بناء ملف متكامل يتجاوز المنفذ إلى الشبكة والعلاقات والتمويل والدوافع.

القضاء القوي لا يكتفي بإثبات أن شخصاً ارتكب الجريمة، وإنما يسعى إلى تحديد المسؤولية على مستوياتها المختلفة، وفقاً لما تسمح به الأدلة والقانون. والأجهزة الأمنية القوية لا تعتبر اعتقال المنفذ نهاية المهمة، بل بداية لمعرفة من أرسله وكيف تحرك ومن ساعده ومن وفر له الحماية. أما الدولة التي تتوقف عند الحلقة الأخيرة، فإنها قد تحقق انتصاراً قضائياً، لكنها لا تحقق بالضرورة انتصاراً أمنياً.

وهنا تحديداً يصبح السؤال سياسياً وهو: –

هل تريد الدولة أن تغلق القضية، أم تريد أن تكشف الحقيقة؟

لأن إغلاق القضية قد يكون سهلاً ، يكفي أن يكون هناك متهم، واعتراف، وحكم، وسنوات سجن. أما كشف الحقيقة فيتطلب الذهاب إلى المنطقة التي تصبح فيها الجريمة أكثر حساسية: منطقة المال والنفوذ والسلاح والعلاقات السياسية، حيث لا يكون كل من يملك الإجابة مستعداً لتقديمها، ولا يكون كل من يعرف الحقيقة مستعداً لأن يتحدث عنها.

إذا كانت الدولة تعاقب المنفذ لأنها تستطيع الوصول إليه، ثم تتوقف عندما تقترب من الجهة التي أرسلته، فالمشكلة لم تعد في قدرة الدولة على اكتشاف الجريمة، بل في حدود قدرتها على مواجهة من يقف خلفها. وعندها يصبح السجن، وبشكل متناقض، جزءاً من المشكلة لا الحل: يدخل رجل إلى الزنزانة، وتخرج الشبكة من القضية.

وهذه هي المعضلة التي ينبغي ألا تضيع وسط الاحتفال بأي حكم قضائي: من السهل أن تسجن اليد التي حملت السلاح، لكن اختبار الدولة الحقيقي يبدأ عندما تقرر أن تسأل لمن كانت هذه اليد تعمل.

فإذا انتهت كل جريمة عند منفذها، فسيبقى المنفذ دائماً هو المتهم الأخير، وستبقى الجهة التي تصنع المنفذين هي المستفيد الأول. وعندها لن تكون الدولة قد هزمت الجريمة، بل تكون قد عاقبت بعض أدواتها وتركت مصنعها يعمل.

وفي دولة تحترم نفسها، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم سنة سيقضي المنفذ في السجن؟ بل:-

لماذا استطاع من أرسله أن يبقى خارج السجن أصلاً؟

قد يعجبك ايضا