قسد تحل نفسها..والقضية الكوردية تترك بلا نهايات.

انس الشيخ مظهر

إعلان مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق، في 25 آب، عن حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية واندماجهما في مؤسسات الدولة، ليس مجرد محطة عابرة في مسار الحرب السورية، بل نهاية مرحلة سياسية وعسكرية كوردية امتدت أكثر من عقد. والسؤال الجوهري هنا ليس: هل كان الاتفاق جيداً أم سيئاً؟ بل: ماذا فعل الكورد بالأوراق التي امتلكوها، وماذا بقي منها بعد سقوط تلك الأوراق من أيديهم؟

الانتقال من السلاح إلى السياسة ليس عيباً في ذاته، وبقاء «قسد» قوة مستقلة إلى الأبد لم يكن خياراً واقعياً في دولة تعيد بناء سيادتها. لكن الفجوة الحقيقية تكمن بين حجم القوة التي امتلكتها الحركة الكوردية السورية —مساحات واسعة، إدارة ذاتية، أجهزة أمنية، دعم أميركي، دور مركزي في الحرب على داعش— وبين حجم المكاسب السياسية المُحصَّنة التي بقيت بعد تفكك تلك القوة. فالسؤال الأهم من تقييم الاتفاق نفسه هو: هل كان الهدف الحفاظ على المؤسسة العسكرية، أم تحويل القوة التي صنعتها إلى حقوق دستورية تبقى حتى بعد زوالها؟ فالقوة العسكرية تتبدل بتبدل الظروف، أما الحقوق المُثبَّتة قانونياً والتمثيل السياسي الحقيقي والضمانات المكلفة التراجع عنها، فهي وحدها ما يتحول إلى مكسب تاريخي.

في الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام الكوردي شرحاً واضحاً لما تحقق سياسياً بعد سنوات من الحرب والإدارة والتضحيات، تصدّرت قضية التعليم باللغة الكوردية خطاب عبدي، الذي أكد أن الرئيس أحمد الشرع صان هذا الحق وأبدى انفتاحاً عليه.

لا جدال في مركزية اللغة الكوردية للهوية والذاكرة الجماعية. لكن المشكلة ليست في أهمية اللغة، بل في حجمها كمكسب سياسي داخل اتفاق يُنهي تجربة عسكرية وإدارية واسعة. هل التعليم باللغة الكوردية هو الثمرة الأبرز لمرحلة امتلك فيها الكورد كل تلك الأوراق؟ أم كان الأولى التركيز على الوضع الدستوري، والتمثيل في مؤسسات الدولة، والضمانات التي تمنع أي حكومة مقبلة من العودة إلى سياسات الإنكار؟

في عصر الرقمنة، لم تعد حماية اللغة مرهونة بالضرورة بامتلاك سلطة سياسية أو عسكرية؛ فاللغات تعيش اليوم عبر الإنترنت والتعليم الرقمي والترجمة حتى لدى الجماعات الصغيرة. لذلك لا ينبغي اختزال معركة اللغة الكوردية في إذن بالتدريس، بل وضعها ضمن معركة أوسع: المكان السياسي والقانوني للكورد داخل الدولة.

وتزداد المفارقة حين نلاحظ أن عبدي نفسه ألقى كلمته الرئيسية بالعربية، وأتبعها بكلمة كوردية مقتضبة. لا يتعلق الأمر باختياره اللغوي بحد ذاته، بل بدلالته الرمزية , فإذا كانت حماية اللغة الكوردية إحدى الرسائل المركزية للاتفاق، فلماذا لم تكن الكوردية لغة الخطاب الذي أعلن فيه القائد الكوردي نهاية أكبر تجربة سياسية وعسكرية كوردية في سوريا؟

المفارقة الأعمق، مع ذلك، ليست في دمشق بل داخل البيت الكوردي نفسه …فالقوى الكوردية تُبدي مرونة أمام الحكومات والدول، وتصلّباً أمام بعضها بعضاً…والسؤال هنا…لماذا يقدّم حزب كوردي تنازلات كبرى لسلطة مركزية، بينما يعجز عن تقديم تنازل محدود لحزب كوردي آخر؟ هذه من أعمق مشكلات السياسة الكوردية في المنطقة ” قدرة مثبتة على التفاوض مع الآخر، وعجز مزمن عن بناء آليات توافق داخلي “..وهكذا فان جزء كبير من ضعف الورقة الكوردية لا يعود إلى قوة الخصوم، بل إلى تعدد المواقف الكوردية وتنافس القوى على تمثيل قضية واحدة.

السيطرة على الأرض تمنح قوة تفاوضية، لكنها لا تتحول وحدها إلى حقوق دائمة .. فقط المؤسسات القانونية والضمانات الدستورية والتوافق السياسي الواسع تجعل التراجع مكلفاً حين تتبدل موازين القوى. من هنا يمكن قراءة تجربة «قسد» والإدارة الذاتية كفرصة لم تُستثمر بالكامل , فقد كان بالإمكان تحويلها إلى منصة لتوافق كوردي سوري أوسع يجمع القوى المختلفة حول رؤية مشتركة، لكن ربط المؤسسات السياسية والعسكرية بمركز قوة واحد جعل مصيرها مرهوناً بمصير تلك القوة، فحين انتهت الأخيرة، انتقل معها مركز الثقل السياسي بأكمله.

الأمر نفسه ينطبق على الدعم الأميركي، الذي منح «قسد» وزناً كبيراً لكنه كشف حدود القوة غير المستندة إلى بيئة داخلية مستقرة. فالتحالفات الدولية تقوم على مصالح متغيرة، والمشكلة ليست في الاعتماد على حليف خارجي —فهذا طبيعي في السياسة الدولية— بل في الفشل في تحويل ذلك الدعم إلى قوة سياسية داخلية قادرة على الاستمرار بعد تبدل موقف الحليف.

مع ذلك، سيكون من الخطأ القول إن الكورد خرجوا بلا مكاسب. فالاتفاق سواء كان جيداً أم سيئاً، أصبح واقعاً سياسياً يثبّت وضعاً معيناً للكورد داخل الدولة السورية، والاعتراف ببعض الحقوق الثقافية واللغوية قد يشكل أساساً لمسار جديد إذا جرى التعامل معه بواقعية وحذر.

كما لا ينبغي النظر إلى هذا الاتفاق كنهاية نهائية للقضية الكوردية في سوريا. فالمنطقة التي أنتجت «قسد» ليست هي التي أنتجت هذا الاتفاق، والمشهد الحالي قد لا يشبه المشهد بعد خمس أو عشر سنوات؛ التحالفات تتغير، والدساتير تُعاد كتابتها، وقد تفتح لحظة إقليمية واحدة أبواباً ظلت موصدة لسنوات , خاصة في الظروف التي تشهدها المنطقة حاليا.

الحكمة السياسية إذن ليست في رفض كل اتفاق لا يحقق كل المطالب دفعة واحدة، ولا في الاحتفال بكل تنازل باعتباره انتصاراً، بل في معرفة كيفية الحفاظ على ما تحقق وتحويله إلى أرضية لمكاسب أكبر، وإعادة بناء القوة السياسية على أساس الوحدة والمؤسسات، انتظاراً لمتغيرات قد تتيح مستقبلاً ما تعذّر اليوم.

قد يعجبك ايضا