أ.م.د.وداد حماد مخلف الفهداوي
أثار المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، موجة واسعة من الجدل عندما استخدم استعارة دينية لوصف تعقيدات الشرق الأوسط. ففي مقابلة مع ماريو نوفل في 21 آب/أغسطس 2026، قال باراك إن الأنبياء أُرسلوا إلى هذه المنطقة، لا إلى مناطق أخرى من العالم، ثم خلص إلى أن الاعتقاد بإمكان حل أزمات الشرق الأوسط خلال مدة قصيرة أمر شديد الصعوبة. وقد نُقلت عبارته بصيغ متعددة، لكن معناها العام كان واضحًا: المنطقة، من وجهة نظره، تحمل من التراكمات التاريخية والسياسية والدينية ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة وسريعة أمرًا بعيد المنال.
ورغم أن العبارة اتخذت طابعًا دينيًا مثيرًا للجدل، فإن أهميتها السياسية تتجاوز ظاهرها. فهي تكشف عن تصور أميركي للشرق الأوسط باعتباره فضاءً شديد التعقيد، لا يمكن إخضاعه بسهولة لهندسة سياسية خارجية أو إعادة ترتيبه بقرارات فوقية. وهذا ما يجعل تصريح باراك مادة مناسبة للتحليل الجيوسياسي، خصوصًا إذا قُرئ في ضوء التنافس التركي–الإسرائيلي، والتحولات السورية، والملف الإيراني، واستمرار الصراع العربي–الإسرائيلي.
أولًا: من العبارة الدينية إلى الرسالة السياسية
لم يكن استدعاء الأنبياء في حديث باراك مقصودًا به تقديم تفسير ديني للصراع بقدر ما كان وسيلة بلاغية لتضخيم صورة التعقيد. فالرجل أراد القول إن الشرق الأوسط ليس أزمة واحدة، بل منظومة أزمات متداخلة: حدود متنازع عليها، صراعات هوية، قضايا قومية وطائفية، تنافس على الموارد والممرات، وتدخل مستمر من القوى الإقليمية والدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن التصريح لا يصف الشرق الأوسط فقط، بل يصف أيضًا مأزق السياسة الأميركية فيه. فالولايات المتحدة امتلكت خلال العقود الماضية قدرات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية هائلة، لكنها لم تنجح في إنتاج نظام إقليمي مستقر. تدخلت في العراق، وقادت تحالفات وحروبًا وعقوبات، وانخرطت في ملفات سوريا ولبنان وإيران وفلسطين والخليج، ومع ذلك ظلت الأزمات تتجدد بأشكال مختلفة.
ولهذا يمكن قراءة كلام باراك بوصفه اعترافًا بأن القوة لا تعني القدرة المطلقة على إعادة تشكيل المجال السياسي. فالجغرافيا، والذاكرة التاريخية، والبنى الاجتماعية، والهويات، وموازين القوى المحلية، كلها تفرض حدودًا على إرادة القوى الكبرى.
ثانيًا: هل هو اعتراف بحدود القوة الأميركية؟
يمكن النظر إلى الخطاب بوصفه انتقالًا من لغة «تغيير الشرق الأوسط» إلى لغة «إدارة الشرق الأوسط». وهذا التحول مهم. فمرحلة ما بعد الحرب الباردة شهدت محاولات أميركية واسعة لإعادة ترتيب المنطقة، وبلغت ذروتها بعد عام 2003 مع غزو العراق وظهور خطاب «الشرق الأوسط الجديد». إلا أن النتائج العملية أظهرت أن إسقاط نظام أو فرض عقوبات أو بناء تحالف جديد لا يؤدي تلقائيًا إلى نشوء استقرار مستدام.
أما خطاب باراك فيوحي بنظرة أكثر حذرًا: المطلوب ليس بالضرورة حل كل التناقضات، بل منعها من التحول إلى انفجار إقليمي شامل. ومن هنا تصبح الأولوية هي خفض التصعيد، وضبط سلوك الحلفاء، والحفاظ على خطوط اتصال بين الخصوم، ومنع انهيار الدول أو انتقال الفوضى عبر الحدود.
هذا يعني أن واشنطن ربما لا تتخلى عن نفوذها، لكنها تعيد تعريف وظيفة هذا النفوذ: من أداة لإعادة بناء الإقليم وفق تصور أميركي إلى أداة لضبط توازناته ومنعها من الإضرار بالمصالح الأميركية.
ثالثًا: تركيا وإسرائيل وسوريا خلفية مباشرة للخطاب
جاءت تصريحات باراك في توقيت حساس أعقب توترًا بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية. وفي المقابلة نفسها تحدث عن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت موقعًا عسكريًا في سوريا، وعن المخاوف الإسرائيلية من توسع الحضور العسكري التركي، كما شدد على أن الصدام المباشر بين أنقرة وتل أبيب سيكون شديد الخطورة.
وهنا يظهر البعد الجيوسياسي بصورة أوضح. فتركيا لم تعد بالنسبة إلى واشنطن مجرد حليف في حلف شمال الأطلسي، بل قوة إقليمية مستقلة نسبيًا، تمتلك جيشًا كبيرًا، وتؤثر في سوريا والعراق والبحر الأسود والقوقاز وشرق المتوسط. وفي المقابل تنظر إسرائيل إلى أي توسع عسكري تركي قريب من مجالها الأمني بحساسية متزايدة.
أما سوريا فقد أصبحت ساحة تلتقي فيها مشاريع أمنية متعددة: تركيا تريد منع تشكل تهديد على حدودها الجنوبية وتثبيت نفوذها؛ إسرائيل تريد إبقاء المجال السوري بعيدًا عن أي قوة قد تشكل خطرًا عليها؛ الولايات المتحدة تريد الحيلولة دون صدام حلفائها؛ وإيران تسعى إلى الاحتفاظ بما تبقى من نفوذها الإقليمي. لذلك فإن عبارة باراك عن صعوبة الحل تأتي عمليًا من قلب هذا التشابك.
رابعًا: الشرق الأوسط ليس صراعًا دينيًا فقط
تكمن إحدى مشكلات تصريح باراك في أن الاستعارة الدينية قد توحي بأن الصراعات في المنطقة نابعة من طبيعتها الدينية أو الحضارية. لكن هذه قراءة ناقصة. فجزء كبير من أزمات الشرق الأوسط الحديثة يرتبط بتكوين الدولة الوطنية، ورسم الحدود بعد الحرب العالمية الأولى، والتدخل الاستعماري، والصراع على فلسطين، والانقلابات، والحروب الأهلية، والتنافس على النفط والغاز والممرات البحرية.
كما أن السياسات الدولية نفسها أسهمت في إعادة إنتاج بعض الأزمات. فالقوى الكبرى دعمت في مراحل مختلفة حكومات وأنظمة وحركات مسلحة، وتدخلت عسكريًا، وفرضت حصارات وعقوبات، وأعادت رسم شبكات التحالف. لذلك لا يمكن تقديم المنطقة بوصفها «عاجزة ذاتيًا» عن الاستقرار، من دون مساءلة أثر التدخل الخارجي في تعقيد بنيتها السياسية والأمنية.
ومن هنا فإن العبارة الأدق ليست أن الشرق الأوسط «مستحيل الحل»، بل أنه «مستحيل الاختزال». فكل محاولة لتفسيره بالدين وحده، أو بالطائفية وحدها، أو بالنفط وحده، ستنتج قراءة ناقصة.
خامسًا: منطق إدارة الصراع بدل حله
إذا أخذنا خطاب باراك بوصفه مؤشرًا على توجه سياسي، فإن أخطر ما فيه هو احتمال تثبيت مفهوم «إدارة الأزمات» بدل «تسويتها». فإدارة الصراع تعني ضبط مستوى العنف، والإبقاء على قنوات التواصل، ومنع الانهيار الكامل، لكنها لا تقتلع الأسباب البنيوية للنزاع.
وهذا المنطق ينسجم مع سلوك دولي متكرر في المنطقة: احتواء التصعيد بين إيران وإسرائيل بدل بناء نظام أمني إقليمي، إدارة الأزمة السورية بدل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، التعامل مع القضية الفلسطينية من زاوية وقف النار والمساعدات بدل حسم قضايا الاحتلال والدولة والحدود، وضبط التوتر في العراق ولبنان بدل معالجة أسباب هشاشة الدولة.
وبذلك قد تصبح «استحالة الحل» مبررًا سياسيًا للاستمرار في إدارة الأزمات. وهذا ما يستدعي الحذر عند قراءة تصريح باراك: الاعتراف بالتعقيد أمر واقعي، لكن تحويل التعقيد إلى حجة دائمة لعدم معالجة جذور الصراعات أمر مختلف تمامًا.
سادسًا: ماذا تكشف العبارة عن الرؤية الأميركية الجديدة؟
من الممكن أن تعكس تصريحات باراك ثلاث رسائل أساسية. الأولى أن الولايات المتحدة لا تريد تحمل أعباء مشاريع عسكرية كبرى جديدة في الشرق الأوسط. والثانية أنها باتت أكثر اعتمادًا على القوى الإقليمية في حفظ التوازن، ولا سيما تركيا ودول الخليج وإسرائيل. والثالثة أن واشنطن تبدو أكثر استعدادًا لقبول تعدد مراكز القوة بدل السعي إلى فرض بنية إقليمية أحادية.
وفي هذه الرؤية يصبح الشرق الأوسط شبكة توازنات: تركيا في الشمال، إسرائيل في شرق المتوسط، إيران في الخليج ومحيطه، دول الخليج بقوتها الاقتصادية، ومصر بوزنها الجغرافي والديموغرافي، والعراق بموقعه الفاصل والواصل بين المشرق والخليج. ومن ثم فإن السياسة الأميركية الأرجح هي منع أي قوة واحدة من الهيمنة الكاملة، مع الإبقاء على قدرة واشنطن على التدخل عند اختلال التوازن.
سابعًا: البعد الجيوسياسي الأعمق
من منظور الجغرافيا السياسية، لا يمكن فصل أزمات المنطقة عن موقعها. فالشرق الأوسط يربط ثلاث قارات، ويشرف على أهم الممرات البحرية في العالم، ويضم مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط، فضلًا عن احتياطيات كبيرة من الطاقة. لذلك فإن الصراع فيه ليس نتيجة تعقيد داخلي فقط، بل نتيجة مباشرة لقيمته الاستراتيجية.
كلما زادت قيمة المكان، زادت محاولات السيطرة عليه أو التأثير فيه. ولهذا فإن المنطقة جذبت الإمبراطوريات القديمة والقوى الاستعمارية ثم القوتين العظميين خلال الحرب الباردة، وأصبحت لاحقًا ساحة تنافس أميركي–روسي وصيني متزايد. إن كثافة التدخل الخارجي ليست عاملًا ثانويًا، بل جزء من بنية الصراع نفسها.
وعليه، فإن قول باراك إن الأنبياء لم يستطيعوا حل أزمات المنطقة، إذا أريد له أن يكون تفسيرًا سياسيًا، يجب أن يُستكمل بسؤال آخر: هل تركت القوى الكبرى الشرق الأوسط أصلًا ليطور توازناته الداخلية بعيدًا عن التدخلات الخارجية؟
ثامنًا: هل تعترف واشنطن بعجزها عن تغيير المنطقة؟
ربما لا يكون الأدق الحديث عن «عجز» أميركي مطلق، لأن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك قواعد عسكرية وتحالفات ونفوذًا ماليًا ودبلوماسيًا واسعًا. لكن خطاب باراك يكشف عن إدراك متزايد لحدود القدرة الأميركية على تحويل هذا النفوذ إلى نتائج سياسية نهائية.
فالولايات المتحدة تستطيع ردع دولة، أو فرض عقوبات، أو حماية حليف، أو دعم اتفاق، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل الهويات السياسية والاجتماعية أو محو التناقضات التاريخية أو فرض شرعية داخلية على دولة ما. وهذا هو الفارق بين امتلاك أدوات القوة وامتلاك القدرة على بناء نظام سياسي مستدام.
لذلك قد يكون تصريح باراك تعبيرًا عن «واقعية جيوسياسية» جديدة أكثر منه إعلانًا عن الانسحاب. فالولايات المتحدة لا تغادر المنطقة، لكنها ربما تنتقل من وهم السيطرة الكاملة إلى إدارة التوازنات بأقل كلفة ممكنة.
في النهاية، لا تكمن أهمية خطاب توم باراك في الرقم الذي ذكره عن الأنبياء ولا في الاستعارة الدينية ذاتها، وإنما في الصورة السياسية التي حاول رسمها للشرق الأوسط: إقليم شديد التعقيد، تتشابك فيه الجغرافيا بالدين، والتاريخ بالمصالح، والمحلي بالإقليمي والدولي.
لكن اختزال هذا التعقيد في فكرة أن المنطقة عصية بطبيعتها على الحل سيكون استنتاجًا مضللًا. فالصراعات ليست قدرًا جغرافيًا أو دينيًا محتومًا، وإنما نتيجة تفاعل طويل بين عوامل داخلية وتدخلات خارجية ومنافسات على القوة والموارد والمكان.
ومن هنا يمكن القول إن تصريح باراك قد يمثل اعترافًا أميركيًا بأن الشرق الأوسط لا يمكن «إعادة تصنيعه» من الخارج، وأن الاستقرار فيه يحتاج إلى توازن إقليمي أكثر واقعية، وإلى دول قادرة على بناء مؤسساتها، وإلى تسويات تعالج جذور الصراع لا أعراضه فقط.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستترجم واشنطن هذا الإدراك إلى سياسة جديدة فعلًا، أم ستظل فكرة «تعقيد الشرق الأوسط» مجرد تفسير جاهز لفشل السياسات القديمة؟
المصادر والمراجع
1. Podcast Rex / Mario Nawfal, transcript of interview with Tom Barrack, 23 August 2026.
2. Today.Az, “Barrack highlights Türkiye’s strategic role in a region ‘even the prophets couldn’t solve’,” 22 August 2026.
3. Associated Press, coverage of Tom Barrack’s remarks on the Golan Heights and regional tensions, 23 August 2026.
4. Al Jazeera Arabic, coverage of Israeli reactions to Barrack’s statements on the Golan Heights, 23 August 2026.
5. Times of Israel, report on Barrack’s comments concerning the Israeli strike in Syria and Turkish involvement, 22 August 2026.