الإدمان بين الدماغ والنفس والسلوك

متابعة التآخي

المدمن ليس شخصًا يفتقر ببساطة إلى الإرادة، ولامجرد أسير عادة ميكانيكية، بل قد يكون واقعًا داخلمنظومة من المكافآت والمشاعر والقرارات والظروفالاجتماعية التي يعزز بعضها بعضًا. لا يعني ذلكوجود عوامل عصبية أو وراثية أن التعافي خارجالسيطرة. فالتركيز على المستقبل، والأمل، والغاية فيالحياة، وعقلية النمو

لم يعد من الممكن تفسير الإدمان بأنه مجرد ضعففي الإرادة، أو عادة سيئة يستطيع الإنسانالتخلص منها متى قرر ذلك، كما لا تكفي فكرةالهروب من المشاعر المؤلمة لتفسير استمرار المدمنفي سلوك يعرف أضراره ويدرك ما يسببه له منخسائر. فقد كشفت عقود من الدراسات في علمالنفس وعلم الأعصاب والعلوم السلوكية أن الإدمانظاهرة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها آليات الدماغ معالمشاعر والشخصية وطريقة التفكير والبيئةالاجتماعية والقدرة على اتخاذ القرار.

وفي مراجعة نشرها موقع «ساي بلوغ»، يجمعالباحث في علم النفس جيريمي دين نتائج ستعشرة دراسة ترسم صورة متعددة الأبعاد للإدمان،من الخلل في دوائر التحكم واتخاذ القرار، مرورًابالحزن والبحث عن المتعة والاضطرابات النفسيةوالسمات الشخصية، وصولًا إلى الأمل والغاية فيالحياة وعقلية النمو والدعم الاجتماعي بوصفهاعوامل تساعد على المقاومة والتعافي.

والمهم في هذه الدراسات أنها لا تقدم سببًا واحدًاللإدمان ولا علاجًا واحدًا له، بل تشير إلى أنالإدمان ينشأ من تفاعل عدة عوامل، وأن التعافيبدوره يحتاج إلى أكثر من مجرد إيقاف المادة أوالسلوك الإدماني.

الإدمان ليس مجرد ضعف في الإرادة

أحد أهم التحولات التي أحدثتها دراسات الإدمانهو الانتقال من تفسير أخلاقي قائم على ضعفالإرادة إلى تفسير يرتبط بآليات اتخاذ القراروالتنظيم الذاتي.

وتشير إحدى الدراسات إلى أن ضعف قشرة الفصالجبهي يقع في صميم القابلية للإدمان. وتقع هذهالمنطقة في مقدمة الدماغ، فوق العينين وخلفهما،وتؤدي دورًا أساسيًا في تحديد الأهداف طويلةالأمد، وضبط الاندفاعات، والتنظيم الذاتي، وموازنةالمكافأة الفورية بالعواقب المستقبلية.

ولهذا فإن الإنسان لا يقاوم الإغراء بمجرد امتلاكهمعلومات عن أضراره، بل يحتاج أيضًا إلى منظومةعصبية قادرة على ترجمة هذه المعرفة إلى قرار.

وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الأكثر عرضةللإدمان قد يعانون اضطرابًا في أداء هذه المناطق. ويمكن أن يرتبط ذلك بعوامل وراثية، لكنه قد ينشأأيضًا نتيجة إصابات الرأس أو إساءة المعاملة فيالطفولة أو عوامل بيئية أخرى.

ولهذا وصف الباحث أنطوان بشارة الإدمان بأنه«مرض يصيب عملية اتخاذ القرار»، مشيرًا إلى أنمعظم الناس يمتلكون آليات دماغية لاتخاذ القراراتتساعدهم على مقاومة الانزلاق نحو الإدمان.

وهنا يمكن فهم أحد التناقضات الظاهرة في السلوكالإدماني: المدمن قد يعرف جيدًا أن ما يفعله يضره،لكنه يواجه صعوبة في تحويل هذه المعرفة إلى قرارمستقر يمنع السلوك.

لماذا لا يتعلم المدمن من النتائج السيئة؟

تكشف دراسة ثانية جانبًا آخر من المشكلة، يتمثلفي أن بعض الأشخاص الذين يعانون من الإدمانيجدون صعوبة في ربط السلوك بعواقبه السلبية.

فالإنسان العادي يستطيع عادة أن يتعلم من النتيجةالمؤلمة: يفعل شيئًا، يرى الضرر الناتج منه، ثم يعدلسلوكه. لكن هذه العملية لا تعمل بالفاعلية نفسهالدى بعض الأشخاص الذين يعانون من السلوكالإدماني أو القهري.

وفي تجربة استخدمت لعبة فيديو صُممت بطريقةتسمح بقياس قدرة المشاركين على اكتشاف العلاقةبين أفعال معينة والنتائج العقابية الناتجة عنها، تبينأن عددًا من المشاركين أخفقوا في فهم الكيفية التيأدت بها تصرفاتهم إلى النتائج السلبية.

وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق دائمًا بتجاهلالإنسان للعواقب، بل قد ترتبط أحيانًا بعدم تكويننموذج ذهني دقيق للعلاقة بين السلوك والنتيجة.

ومن هنا يصبح تكرار السلوك المدمر أكثر قابليةللفهم. فإذا لم تتشكل العلاقة النفسية والمعرفيةالكافية بين الفعل والضرر، فإن التجربة السلبية لاتؤدي تلقائيًا إلى تغيير السلوك.

الإدمان أكثر تعقيدًا من «العادة»

تذهب دراسة أخرى إلى مراجعة فكرة واسعةالانتشار تقول إن السلوك الإدماني يتحول ببساطةإلى عادة آلية. فالعادة قد تكون جزءًا من المشكلة،لكنها لا تفسرها كلها.

وفي بعض الحالات، قد يتطلب استمرار السلوكالإدماني قدرًا كبيرًا من الجهد والإصرار. فمواصلةشرب الكحول، مثلًا، عندما يبدأ هذا السلوك بتدميرالعلاقات أو العمل أو الصحة، ليست دائمًا فعلًا آليًالا واعيًا.

ما يدفع الشخص إلى الاستمرار قد يكون قيمةالمكافأة التي يحصل عليها من السلوك. بالنسبة إلىمدمن الكحول، قد تتمثل المكافأة في تحسن مؤقتفي المزاج أو تخفيف أعراض الانسحاب. وكلماازدادت حالته سوءًا، ازدادت قيمة الشيء الذييعرف أنه قادر على منحه راحة فورية.

وهكذا تتشكل دائرة معقدة: السلوك يفاقم المشكلة،والمشكلة تجعل المكافأة التي يوفرها السلوك أكثرجاذبية، فيصبح الإنسان أكثر تعلقًا بما يزيدمعاناته.

الحزن قد يكون أخطر المشاعر المحفزة للإدمان

ليس كل شعور سلبي متساويًا في تأثيره فيالسلوك الإدماني. فإحدى الدراسات وجدت أنالحزن يؤدي دورًا أقوى من مشاعر سلبية أخرى فيدفع بعض أشكال السلوك الإدماني، وخصوصًاالتدخين. وقد ارتبط الحزن الناتج عن خسارة لا يمكنتعويضها بزيادة التدخين واحتمالات الانتكاس حتىبعد سنوات طويلة.

وفي التجارب المختبرية، أظهر الأشخاص الذيناستُثير لديهم الحزن رغبة أسرع في تدخينالسيجارة مقارنة بمن اختبروا مشاعر سلبية أخرى. وهذا يغير الفرضية العامة التي تفترض أن أيشعور سيئ يؤدي بالطريقة نفسها إلى زيادة الميلنحو المادة المسببة للإدمان.

فالباحث تشارلز دوريسون يرى أن العلاقة أكثر دقةمن قاعدة «أشعر بالسوء، إذن سأدخن أكثر»، لأنالحزن يبدو محفزًا قويًا على نحو خاص.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية علاجية، لأنها تعني أنفهم نوع المشاعر التي تسبق السلوك الإدماني قديكون أكثر أهمية من مجرد تصنيفها على أنهامشاعر سلبية.

هل يشرب المدمن كي يهرب من الألم؟

من أكثر الأفكار انتشارًا أن مدمن الكحول يشربأساسًا لكي يخدر الألم النفسي أو يهرب من الحزنوالاكتئاب. لكن إحدى الدراسات تطرح صورةمختلفة.

فقد أظهرت أن الكحول لا يؤدي بالضرورة إلىانخفاض كبير في المشاعر السلبية لدى المدمنين أوالمصابين بالاكتئاب. وفي المقابل، تبين أن هؤلاءيحصلون على قدر أعلى من المتعة والاستثارةالناتجة من الكحول مقارنة بغير المدمنين أو غيرالمصابين بالاكتئاب.

وهذا يعني أن السلوك الإدماني قد يكون مدفوعًابالبحث عن المتعة، وليس فقط بمحاولة الهروب منالألم. فالسكر يولد لدى بعض الأشخاص مستوياتمرتفعة من الاستثارة والإعجاب والرغبة في المزيد،حتى إذا لم يخفف الألم النفسي بصورة كبيرة.

ولهذا تحذر الباحثة أندريا كينغ من الاقتصار فيالعلاج على معالجة التوتر والاكتئاب، لأن ذلك يتناولنصف المشكلة فقط إذا لم يعالج أيضًا ارتفاعحساسية الشخص للمكافأة والمتعة الناتجتين منالكحول. وتدعم ذلك نتائج أخرى تشير إلى أنالأشخاص الأكثر حساسية للتأثيرات الممتعة للكحوليكونون أكثر عرضة للإدمان عليه.

الألعاب ليست دائمًا أصل المشكلة

يمتد مفهوم الإدمان إلى سلوكيات أخرى، مثلالاستخدام الإشكالي لألعاب الفيديو. وتشير إحدىالدراسات إلى أن الشباب الذين يطورون اضطرابًافي اللعب يعانون في كثير من الأحيان مشكلاتنفسية سابقة، ولا تكون الألعاب نفسها هي نقطةالبداية.

وقد تؤدي الألعاب إلى تفاقم المشكلة، لكنها قد تعملأيضًا بوصفها وسيلة غير صحية للتكيف معالاكتئاب أو المشكلات الاجتماعية أو غيرها منالاضطرابات.

وتكتسب القضية أهمية إضافية لأن نسبة مرتفعةجدًا من المراهقين تمارس ألعاب الفيديو يوميًا، فيالوقت الذي يتميز فيه المراهقون بحساسية أكبر تجاهالمكافأة وصعوبة نسبية في ضبط الاندفاع.

وتشير الدراسة إلى أن قرابة واحد من كل عشرةمراهقين قد يعاني اضطرابًا في الألعاب، يمكن أنيقود إلى العزلة والضيق وإهمال الواجبات الدراسية. وتوضح الباحثة كايلي فالسيوني أن الأطفال الذينظهرت لديهم مسبقًا أعراض اكتئاب ومشكلاتاجتماعية كانوا أكثر احتمالًا للوقوع في دائرة اللعبالإشكالي. وبهذا يصبح السلوك الإدماني عرضًالمشكلة أعمق وليس بالضرورة سببًا أوليًا لها.

قد يعجبك ايضا