عرفان الداوودي
من حق المواطن الكوردي في خانقين أن يعرف الحقيقة كاملة، بعيداً عن المناكفات الحزبية، وتبادل الاتهامات، ونسب الإنجازات إلى هذا المسؤول أو ذاك. فالقضية ليست قضية أشخاص، وإنما قضية حضور سياسي وإداري وحقوق ومكانة مكوّن أصيل في ديالى وخانقين.
في عام 2004، كان الحزبان الكورديان من القوى السياسية الأكثر نفوذاً وحضوراً وتحركاً في محافظة ديالى، وكان للكورد حضور واضح في مؤسسات الدولة ومواقع القرار. فقد كان هناك عضو في مجلس النواب، ورئيس لمجلس محافظة ديالى، وثلاثة أعضاء في مجلس المحافظة، ومعاون لمحافظ ديالى، إضافة إلى مدير عام لصحة ديالى وعدد من مديري الأقسام والدوائر.
وفي تلك المرحلة، كان المشهد السياسي في ديالى يضم نحو 23 حزباً سياسياً، وجرت انتخابات في قاعة مستشفى البتول لاختيار لجنة تنسيق الأحزاب، وأسفرت الانتخابات عن فوز الأستاذ عرفان الداوودي برئاسة لجنة تنسيق الأحزاب في ديالى، في مشهد يعكس حجم الحضور السياسي والتنظيمي الذي كان يتمتع به الكورد آنذاك.
وبقي الوضع الكوردي في ديالى، وخانقين بصورة خاصة، جيداً نسبياً حتى عام 2012، إلا أن الدور السياسي للحزبين الكورديين بدأ بعد ذلك بالتراجع تدريجياً، عاماً بعد عام، حتى وصلنا إلى الواقع الحالي الذي لا يمكن تجاهله أو تغطيته بالشعارات.
من مواقع القرار إلى خسارة المواقع
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المواطن الكوردي اليوم هو: كيف انتقلنا من تلك المرحلة التي كان للكورد فيها حضور واسع في مؤسسات الدولة، إلى مرحلة فقدنا فيها العديد من المواقع الإدارية والسياسية؟
فقد خسر الكورد مواقع مهمة، من بينها إدارة نواحي جلولاء وقره تبة والسعدية ومندلي، إضافة إلى عدد من المناصب الإدارية في الدوائر والمؤسسات الحكومية.
أما في خانقين، فما زالت هناك مواقع إدارية يشغلها الكورد، لكن المشكلة أن عدداً من هذه المواقع أصبح يُدار من أشخاص ليسوا من أبناء المدينة، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة لدى المواطن حول معايير الاختيار والكفاءة والاستحقاق، وحول أسباب عدم إعطاء أبناء خانقين المؤهلين فرصة أكبر لإدارة مؤسسات مدينتهم.
وفي الاستحقاق الانتخابي الأخير، أصبح التمثيل الكوردي أضعف من السابق، فلم يعد المشهد يعكس حجم الحضور الكوردي الذي عرفته خانقين وديالى في السنوات الماضية.
أين تكمن المشكلة؟
لا يجوز أن نلقي مسؤولية هذا التراجع كلها على الآخرين. فهناك مسؤولية داخلية يجب الاعتراف بها بشجاعة.
إن أحد الأسباب المهمة التي أدت إلى هذا التراجع هو اختيار بعض الشخصيات التي لم تكن بالمستوى المطلوب من الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة الملفات السياسية والإدارية. وعندما تكون الاختيارات غير موفقة، تكون النتيجة الطبيعية هي فقدان ثقة المواطن، وضعف الحضور، وضياع الفرص والمواقع.
والأخطر من ذلك أن بعض المسؤولين أصبحوا منشغلين بالمناكفات والردود عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بدلاً من توحيد الجهود لخدمة خانقين وأهلها.
من جلب الأجهزة؟ ومن حصل على الموافقات؟
أصبح المواطن يسمع يومياً عبارات من نوع:
أنا من جلب الأجهزة إلى مستشفى خانقين.
أنا من حصل على الموافقات لتجهيز جوازات خانقين.
أنا من جلب الأجهزة الطبية.
أنا من أنجز المشروع الفلاني.
وفي النهاية، تضيع الحقيقة بين التصريحات والردود، بينما المواطن يريد أن يعرف شيئاً واحداً: هل تحققت الخدمة فعلاً؟
إذا كانت الأجهزة قد وصلت، والموافقات قد صدرت، والمشروع قد أُنجز، فالأفضل أن يكون الإنجاز باسم المدينة وأهلها، وليس باسم الأشخاص.
فالعمل العام ليس ملكاً لمسؤول أو حزب، وإنما هو واجب ومسؤولية أمام المواطن.
الخلافات الداخلية.. فرصة للمتربصين
إن استمرار المناكفات والاتهامات المتبادلة بين الشخصيات والمسؤولين الكورد على مواقع التواصل الاجتماعي لا يخدم أحداً، بل يمنح الفرصة لكل من يريد إضعاف العلاقات بين الحزبين الكورديين وضرب وحدة الصف الكوردي في خانقين.
فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، والحوار والنقد حق مشروع، لكن تحويل الخلافات إلى حملات تشهير وتبادل اتهامات أمام الجمهور سيؤدي في النهاية إلى خسارة الجميع.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إخفاء الأخطاء أو تبرير التقصير، وإنما وضع الأخطاء على الطاولة ومحاسبة المقصر وفق القانون، وفي الوقت نفسه الحفاظ على وحدة الصف والمصلحة العامة.
المواطن يريد الحقيقة لا المعارك
المواطن الكوردي في خانقين لا يريد أن يسمع من هو الأكثر نشاطاً على فيسبوك، ولا يريد أن يعرف من نشر صورة مع مسؤول أو من عقد اجتماعاً أكثر من غيره.
المواطن يريد مستشفى أفضل، ودوائر حكومية تعمل بكفاءة، وخدمات حقيقية، ومواقع إدارية يشغلها أبناء المدينة المؤهلون، وتمثيلاً سياسياً قوياً، وحماية للحقوق الدستورية والقانونية للكورد في خانقين وديالى.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة شاملة وصريحة لمسيرة العمل السياسي الكوردي في خانقين وديالى، بعيداً عن المجاملات والحسابات الشخصية.
السؤال اليوم ليس: من جلب هذا الجهاز؟ ومن حصل على تلك الموافقة؟
السؤال الأهم هو:
مَن حافظ على حقوق الكورد؟ ومَن أهملها؟ مَن خدم خانقين؟ ومَن قصّر؟ ومَن يتحمل مسؤولية التراجع؟
هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بشجاعة، وأن تكون الإجابة بالأرقام والوثائق والنتائج، لا بالاتهامات والتبريرات.
فخانقين أكبر من الأشخاص، وأكبر من الأحزاب، ومستقبل أبنائها لا يجوز أن يكون رهينة للمناكفات.
نحن بحاجة إلى مصارحة لا إلى خصومة، ومراجعة لا إلى تشهير، ووحدة صف لا إلى انقسام، وكفاءة لا إلى محاصصة، والعمل من أجل خانقين قبل أي اعتبار آخر.
والتاريخ وحده كفيل بأن يبيّن من عمل، ومن قصّر، ومن حافظ على حقوق أبناء خانقين، ومن ساهم ـ بقصد أو من دون قصد ـ في إضعاف حضورهم السياسي والإداري .