دلشاد سعيد.. الموسيقار الذي حجز مكاناً بين كبار العازفين

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست الموسيقى مجرد أصوات تتعاقب في الزمن، ولا العزف مهارة تقنية تقوم على سرعة الأصابع وحسب؛ إنها، في جوهرها، لغة إنسانية قادرة على عبور الحدود والهويات والجغرافيا، وحين يجتمع الإبداع مع الانضباط والتجربة الطويلة، يصبح الأداء الموسيقي حدثاً يتجاوز صاحبه إلى البيئة الثقافية التي أنجبته. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الإنجاز اللافت للموسيقار وعازف الكمان الكوردي دلشاد سعيد، ابن مدينة دهوك في كوردستان، الذي استطاع أن يلفت الأنظار بأداء استثنائي لمقطوعة (رحلة النحلة الطنانة) (Flight of the Bumblebee)، إحدى أكثر المقطوعات شهرة في عالم العزف السريع على الكمان.
إن تقديم هذه المقطوعة بهذه السرعة العالية ليس تحدياً عادياً؛ فهي من الأعمال الموسيقية التي اختُبرت فيها براعة كبار العازفين، لما تتطلبه من دقة متناهية، وسيطرة كاملة على حركة القوس والأصابع، وقدرة على الحفاظ على وضوح النغم وإيقاعه رغم السرعة الهائلة. ولهذا فإن وصول دلشاد سعيد إلى مستوى استثنائي في أدائها يمثل محطة مهمة في مسيرته الفنية، ويضع تجربته أمام جمهور أوسع من حدود الموسيقى الكوردية المحلية.

وتزداد أهمية هذا الإنجاز حين نعرف أن «رحلة النحلة الطنانة» للموسيقار الروسي نيكولاي ريمسكي كورساكوف تحولت منذ ظهورها إلى امتحان حقيقي لقدرات العازفين. فقد أصبحت سرعتها وتعقيدها التقني مادةً لتحديات موسيقية متواصلة، ليس لأنها سريعة فحسب، وإنما لأن السرعة وحدها لا تكفي؛ إذ إن العازف مطالب بأن يحافظ، في الوقت نفسه، على الدقة والنظافة الصوتية والتماسك الموسيقي. وهنا تكمن قيمة الإنجاز، فالفارق كبير بين أن تعزف بسرعة وأن تعزف بسرعة فائقة من دون أن تفقد الموسيقى روحها.
لقد جاء إنجاز دلشاد سعيد ثمرة مسيرة موسيقية وأكاديمية طويلة، لم تكن وليدة لحظة عابرة أو محاولة لاستعراض المهارة. فالعازف الذي يحمل مشروعاً فنياً حقيقياً يحتاج إلى سنوات من التدريب والدراسة والمثابرة، وإلى قدرة على تحويل التقنية إلى إحساس، والإحساس إلى أداء قادر على مخاطبة المتلقي. وهذا ما يجعل تجربة سعيد جديرة بالتوقف عندها بوصفها نموذجاً لعازف استطاع أن يجمع بين المعرفة الموسيقية والقدرة الأدائية.
وإذا كان الكمان من أكثر الآلات الموسيقية حساسية وصعوبة، فإن الوصول به إلى مستويات السرعة التي تتطلبها هذه المقطوعة يحتاج إلى تدريب صارم وتحكم دقيق في الحركة والتنفس والإيقاع. فكل جزء من الثانية يمكن أن يصنع الفارق بين أداء متقن وأداء مضطرب، وكل حركة زائدة قد تؤثر في صفاء النغمة. ولذلك فإن ما يقدمه عازف مثل دلشاد سعيد يكشف عن حجم الجهد الذي يقف خلف لحظة الأداء التي يراها الجمهور دقائق قليلة، بينما هي في الحقيقة حصيلة سنوات طويلة من العمل.
ومن مدينة دهوك، التي عرفت حضوراً ثقافياً وفنياً مميزاً، يأتي هذا الصوت الموسيقي ليؤكد أن الثقافة الكوردية ليست محصورة في حدودها الجغرافية، بل تمتلك طاقات إبداعية قادرة على الوصول إلى المنصات الدولية. وقد استطاع سعيد خلال مسيرته أن يقدم الموسيقى الكوردية في العديد من المسارح والمحافل، ليصبح الكمان في يديه وسيلة أخرى للتعريف بالثقافة الكوردية وإيصال جمالياتها إلى جمهور متعدد اللغات والثقافات.
إن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في الرقم القياسي أو السرعة وحدهما، بل في الرسالة الثقافية التي يحملها. فحين ينجح موسيقي كوردي في خوض واحدة من أصعب تحديات العزف على الكمان، فإنه يثبت أن الإبداع لا يعرف الحدود، وأن الفنان يستطيع أن يجعل من موهبته جسراً بين وطنه والعالم.
كما أن حضور الموسيقيين العراقيين والكورد في المشهد العالمي يستحق مزيداً من الاهتمام والتوثيق. فلدينا في العراق، بمختلف مكوناته الثقافية، تجارب فنية وعلمية وأدبية كثيرة لم تنل دائماً ما تستحقه من التعريف والاحتفاء. ومن هنا فإن أي إنجاز عراقي أو كوردي يصل إلى مستوى عالمي ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره خبراً عابراً، بل بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية العراقية المعاصرة.
ولعل الأجمل في تجربة دلشاد سعيد أنها تذكرنا بأن الموسيقى قادرة على أن تقول ما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله. فالكمان، في لحظة الإبداع، لا يسأل المستمع عن قوميته أو لغته أو معتقده؛ إنه يخاطب إحساسه مباشرة. وحين يرتفع صوت الكمان بهذه السرعة والدقة، تتحول التقنية إلى جمال، ويتحول الجهد الفردي إلى فرح جماعي.
وإذا صحّ وصف أدائه بأنه أحد أبرز الأرقام القياسية العالمية في هذا المجال، فإن ذلك يضع على عاتق المؤسسات الثقافية والإعلامية مسؤولية توثيق هذا الإنجاز والتحقق الدقيق من تفاصيله، ولا سيما ما يتعلق بالجهة التي اعتمدت الرقم وتصنيفه الرسمي وشروطه. فالإنجازات العالمية تستحق أن تُوثق وفق معاييرها الدقيقة، حتى تبقى في سجل الفن بوصفها حقائق موثقة لا مجرد عناوين إعلامية.
وفي جميع الأحوال، فإن ما حققه دلشاد سعيد يمثل إضافة مشرقة إلى المشهد الموسيقي الكوردي والعراقي. إنه مثال للفنان الذي لم يكتفِ بأن يكون عازفاً ماهراً، بل سعى إلى اختبار حدود إمكاناته، وأن يجعل من آلة الكمان مساحة مفتوحة للابتكار والتحدي.
هنيئاً لدهوك بهذا الفنان، وهنيئاً للموسيقى الكوردية والعراقية بهذا الحضور المميز. ولعل إنجاز دلشاد سعيد يكون حافزاً لجيل جديد من الموسيقيين الشباب لكي يدركوا أن الطريق إلى العالمية لا يبدأ من الشهرة، وإنما من الدراسة والمثابرة والانضباط والإيمان بالموهبة.
فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى جواز سفر كي يعبر الحدود؛ يكفيه أن يكون صادقاً ومتقناً وجميلاً.
ودلشاد سعيد، وهو يطارد سرعة (النحلة الطنانة) على أوتار كمانه، لا يطارد رقماً فحسب، بل يكتب، بنغماته، صفحة جديدة في قصة الموسيقى الكوردية التي تواصل البحث عن مكانها المستحق في المشهد الثقافي العالمي.

قد يعجبك ايضا