تَفَكُّكُ الذَّاتِ بَيْنَ الحُلْمِ وَالوَاقِع دِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ تَأْوِيلِيَّةٌ فِي مَجْمُوعَةِ «اخْتِرَاعٌ اسْمُهُ نَانَا» لجلال الصياد
د/اميمة منير جادو
باحث اكاديمي -وعضو اتحاد كتاب مصر
مُقَدِّمَةٌ نَظَرِيَّةٌ :
تَنْتَمِي هَذِهِ المَجْمُوعَةُ إِلَى نَسَقٍ سَرْدِيٍّ يُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ ضِمْنَ ثَلَاثِ مَقَارِبَاتٍ مُتَدَاخِلَةٍ:
المُقَارَبَةُ الوَاقِعِيَّةُ النَّقْدِيَّةُ: رَصْدُ التَّشَوُّهَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ (السُّلْطَة، الفَقْر، العُنْف).
المُقَارَبَةُ الوُجُودِيَّةُ: سُؤَالُ المَصِيرِ وَالعَدَمِ (قِصَصُ: «إِلَى أَيْن»، «العَهْد»).
المُقَارَبَةُ النَّفْسِيَّةُ: تَفَكُّكُ الذَّاتِ وَتَشَظِّي الوَعْيِ.
وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ تِقْنِيَاتٍ بَارِزَةٍ:
-تَيَّارُ الوَعْي (انْسِيَابُ الدَّاخِلِي)
-المُفَارَقَةُ السَّاخِرَة
-الرَّمْزُ التَّحْوِيلِيّ
المِحْوَرُ الأَوَّلُ: البِنْيَةُ وَالأَسْلُوبُ (تَفْكِيكٌ عَمِيقٌ)
1. الزَّمَنُ السَّرْدِيُّ
زَمَنٌ مَفْكُوكُ التَّرْتِيبِ، يَعْتَمِدُ عَلَى:
الاِسْتِرْجَاعِ (Flashback)
الاِنْزِلَاقِ الحُلْمِيّ
اللَّحْظَةِ المُكْثَّفَةِ (الزَّمَنُ النَّفْسِيُّ)
يَعْكِسُ ذَلِكَ تَشَظِّي الذَّاتِ.
2. البِنْيَةُ الدِّرَامِيَّةُ
أَغْلَبُ القِصَصِ تَعْتَمِدُ نَمَطًا:
(وَضْعٌ عَادِيّ ؛ تَصَاعُد ؛ صَدْمَة ؛ نِهَايَةٌ مَفْتُوحَة)
ثم يُؤَدِّي إِلَى إِثَارَةِ التَّوَتُّرِ وَتَفْجِيرِ الدَّلَالَةِ.
3. اللُّغَةُ (تَحْلِيلٌ لُغَوِيّ)
جُمَلٌ قَصِيرَةٌ مُتَقَطِّعَةٌ ؛ تَوَتُّرٌ نَفْسِيّ
تَكْرَارٌ لَفْظِيّ ؛ إِلْحَاحٌ دَلَالِيّ
حُضُورُ الحُقُولِ الدَّلَالِيَّةِ:
-(الجَسَد/الأَلَم)
-(المَال/الفَقْد)
-(الصَّوْت/الصَّمْت)
4. البَلَاغَةُ (تَفْكِيكٌ)
الاِسْتِعَارَةُ الجَسَدِيَّةُ: (الجَسَدُ كَمَجَالٍ لِلْعُنْف)
المُفَارَقَةُ: (الحُلْم ؛ الاِنْهِيار)
الرَّمْزُ: (العُرُوسَة، الشِّلْن، الدُّخَان)

تَحْلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ مُعَمَّقٌ لِلقِصَصِ :
1. لَيْسَ هُو..!
المُلَخَّصُ الدَّلَالِيُّ
الإِنْكَارُ لَيْسَ جَهْلًا بَلْ قَرَارٌ أَخْلَاقِيٌّ.
-اِسْتِشْهَادَاتٌ
“لَيْسَ هُو”
“نَسِيَ أَنَّ لَهُ أَوْلَادًا”
-تَفْكِيكُ القِيَمِ
الكَرَامَةُ كَفِعْلِ مُقَاوَمَة
الذَّاكِرَةُ كَسُلْطَةٍ مُضَادَّة
-تَحْلِيلٌ بَلَاغِيٌّ
الإِنْكَارُ هُنَا اِسْتِعَارَةٌ لِقَتْلِ الرَّابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ.
اللُّغَةُ
تَكْرَارُ النَّفْيِ ؛ يَعْكِسُ الاِنْهِيارَ النَّفْسِيَّ.
2. دَعْوَةٌ لِلْحُلْمِ
المُلَخَّصُ
تَحَقُّقُ الحُلْمِ يَفْضَحُ ضَعْفَ الذَّاتِ.
تَفْكِيكٌ
الحُلْمُ هُنَا لَيْسَ خَلَاصًا بَلْ صَدْمَة.
بَلَاغَةٌ
المُفَارَقَةُ: (الفَوْز ؛السُّقُوط).
3. حَفِيدَتِي لَيْلَى
تَأْوِيلٌ
الكَارِثَةُ الكَوْنِيَّةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَلٍّ فَرْدِيٍّ.
بَلَاغَةٌ
تَضْخِيمٌ: “أَجْلَسَتْ كُلَّ العَالَم” هو رَمْزٌ لِسُلْطَةِ الضَّعِيفِ.
4. اخْتِرَاعٌ اسْمُهُ نَانَا
تَفْكِيكٌ سِيمْيَائِيٌّ
«نَانَا» تساوي وتعادل هُوِيَّةٌ مُصَنَّعَةٌ.
بَلَاغَةٌ
المَاكِيَاجُ هو قِنَاعٌ اِنْهَارَ.
5. عُرُوسَتِي
تَفْكِيكٌ عُنْفِيٌّ
النَّصُّ يَكْسِرُ مَحْظُورَ الجَسَدِ.
بَلَاغَةٌ
“قِطْعَةُ لَحْمٍ” ؛ تَشْيِيءٌ كَامِلٌ.
6. إِلَى أَيْن
تَأْوِيلٌ وُجُودِيٌّ
الصَّوْتُ يساوي ضَمِيرٌ/مَوْت.
بَلَاغَةٌ
تَكْرَارُ “تَخْرُجُ” / إِلْحَاحُ الفَنَاءِ.
7. حِكَايَةُ شِلْن
تَأْوِيلٌ
تَضَخُّمٌ اِقْتِصَادِيّ / تَآكُلٌ إِنْسَانِيّ.
رَمْزٌ
الشِّلْن يساوي القِيمَةُ المُنْهَارَةُ.
8. أَنْتَ تَانِي
تَفْكِيكٌ سِيَاسِيٌّ
دَوْرَةُ السُّلْطَةِ المُغْلَقَةِ.
9. العَهْدُ
تَأْوِيلٌ صُوفِيٌّ
الجَسَدُ/الرُّوحُ يساوي اِنْفِصَالُ الكَيْنُونَةِ.
10. إِنْسَانٌ آلِيٌّ
تَفْكِيكٌ وُجُودِيٌّ
الانْضِبَاطُ المُطْلَقُ يُنْتِجُ مَوْتًا عَاطِفِيًّا.
11. صُورَةٌ فِي الدُّخَانِ
تَأْوِيلٌ
الدُّخَانُ يوازي تَشَوُّشٌ فِكْرِيٌّ وَسِيَاسِيٌّ.
12. المُسَافِرُ
المُلَخَّصُ
وَحْدَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ طَاغِيَةٌ.
تَفْكِيكٌ نَفْسِيٌّ
الأُنْثَى تَتَحَوَّلُ إِلَى كِيَانٍ مُثْقَلٍ بِالمَسْؤُولِيَّةِ.
★الخَاتِمَةُ النَّقْدِيَّةُ
تَكْشِفُ المَجْمُوعَةُ عَنْ إِنْسَانٍ مُعَاصِرٍ يَعِيشُ فِي حَالَةِ تَفَكُّكٍ مُسْتَمِرٍّ، حَيْثُ تَنْهَارُ القِيَمُ التَّقْلِيدِيَّةُ، وَتَحِلُّ مَحَلَّهَا بُنَى هَشَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى السُّلْطَةِ وَالمَظْهَرِ.
وتُقَدِّمُ المَجْمُوعَةُ رُؤْيَةً نَقْدِيَّةً لِإِنْسَانٍ مُهَدَّدٍ بِالفَنَاءِ النَّفْسِيِّ وَالاِجْتِمَاعِيِّ، حَيْثُ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالاِنْكِسَارِ، وَبَيْنَ الإِنْسَانِيَّةِ وَالآلِيَّةِ.
وَلَا تُقَدِّمُ النُّصُوصُ حُلُولًا، بَلْ تَطْرَحُ سُؤَالًا جَوْهَرِيًّا:
هَلْ بَقِيَ الإِنْسَانُ إِنْسَانًا… أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى اخْتِرَاعٍ؟
——
★ ملحوظة :
هذه قراءة لبعض قصص المجموعة ولكن تبقى مجموعة أخرى سنفرد لها مساحة أخرى لظروف النشر.
———
ملحق نص نماذج قصصية
بقلم /جلال الصياد
3- حفيدتي ليلى
يتراقص العروسان وسط الأهل والأصدقاء، وبين جنبات قاعة أنيقة من قاعات قواتنا المسلحة الباسلة، ويتسابق المعازيم لالتقاط الصور مع العروسين، يتوسطهما فضيلة المفتي السابق، والضجيج يخيم على الجميع.
تنزوي «زينب» المعلمة في جانب من القاعة، لا يشعر بها أحد.
تحاول إخفاء ما تشعر به من ألم، حتى لا تعكر صفو هذه الليلة الجميلة.
يزداد الألم رويدًا رويدًا، حتى كادت أن تطلق صرخاتها مدوية، تنقلب على أثرها أجواء القاعة.
تمالكت نفسها، وسارت حتى وصلت إلى حيث يجلس زوجها وأسرتها.
همست في أذنه قائلة:
«لقد حانت اللحظة السعيدة التي كنا ننتظرها في شوق ولهفة».
تسمَّر في مكانه من هول المفاجأة.
صمت برهة من الوقت، ثم عاد إلى رشده قائلًا:
«لا بد أن نعود للمنزل لإحضار مستلزمات الولادة».
تعلقت بملابسه، حتى كادت أن تسقط على الأرض من شدة التعب، قائلة له:
«لا يوجد وقت… الألم يشتد. اذهب مع أبي وإخوتي إلى المستشفى، وتذهب أنت إلى المنزل لإحضار ما نحتاجه».
—
أصيب العاملون في المستشفى، ومن فيها من زائرين، بالدهشة، وتساؤلات عديدة على وجوههم، عندما دخلت عليهم «زينب» وهي ترتدي فستان سهرة، وأفراد أسرتها يرتدون الملابس الرسمية.
ازدحمت حجرة الاستقبال بهم، وفي همة ونشاط تحرك الجميع، وكانت البُشرى السارة بقرب وصول «ليلى» قد أنست الأم ما بها من ألم.
مرت لحظات الانتظار والقلق ثقيلة على مَن بالخارج من الأهل، ولكن فور سماع صرخات الأم وطفلتها، تعانق الجميع، وخيمت عليهم السعادة والسرور.
—
مرت الأيام الأولى من حياة «ليلى» وأسرتها في فرح وهناء.
جاءت الزميلات للتهنئة، وتبادلن الحديث عن أحوال المدرسة والتلاميذ، حيث مضى من بداية الترم الثاني خمسة عشر يومًا، ونقلن إليها قرار المدرسة بأن إجازة الوضع أسبوعان فقط بدلًا من أربعة أشهر.
انصرفت الزميلات، وخيم الوجوم على الجميع.
جلست الأسرة تضرب أخماسًا في أسداس، تبحث مصير الطفلة في ظل هذه القرارات المجحفة.
اتفق الجميع على أن تحصل الأم على إجازة بدون مرتب.
أبلغت الأم القرار إلى إدارة المدرسة.
فكان الرد: القرار بالفصل من العمل إذا أقدمت على ذلك.
استسلم الجميع للأمر…
خرجت الأم عند بزوغ ضوء النهار، تاركة طفلتها الرضيعة لجدتها التي حضرت مع جدها بعد صلاة الفجر.
استقبلت التلميذات معلمتهن بالبهجة والسرور، بينما استقبلتها إدارة المدرسة بغلظة وشدة.
مضى الأسبوع الأول ثقيلًا، وهي في قلق دائم، وإدارة المدرسة ما زالت تهددها وتتوعدها بالفصل، وأكدت لها أنه عند رغبتها في العودة للعمل بالمدرسة مرة أخرى، سوف يتم التعامل معها كأنها «تعيين جديد».
مر الأسبوع الثاني والثالث في توتر دائم.
—
استيقظ العالم أجمع مع بداية الأسبوع الرابع على وقع أخبار مؤلمة، أذاعتها وكالات الأنباء العالمية، تنبئ بظهور فيروس قاتل في إحدى المدن الصينية.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم.
ارتبك العالم بأسره، غنيه وفقيره، في تقدير الأمر؛ فمنهم من أخذ حذره وفرض الحظر على مواطنيه، ومنهم من تجاهل ولم يصدق، فترك الأمور تسير كعادتها.
تطايرت ذرات الفيروس مع الريح في كل اتجاه، ولم تنتظر ماذا يفعل هؤلاء البشر، حتى وصلت إلى كل ربوع الدنيا.
بدأ الكل ينتبه ويفيق.
تسارعت الأخبار والتحذيرات، وصدرت قرارات عالمية بغلق كل شيء، ومنها المدارس.
لكن إدارة المدرسة أصرت على تواجد المدرسين.
ظلت أم ليلى في حيرة من أمر طفلتها، وعيون الإدارة تراقب خطواتها حتى لا تذهب لإرضاعها.
ازدادت الأحوال سوءًا، وحانت اللحظة الحاسمة ببقاء الجميع في المنزل، والتواصل مع التلميذات والإدارة عن طريق الإنترنت.
وهنا تنفست أم ليلى الصعداء، وهنأتها الزميلات ببقائها بجوار «ليلى»، التي أجبرت العالم كله على رعايتها.
——
4- اختراع اسمه نانا
سيارة المؤسسة تستعد للسير في نهاية اليوم، هبَّت رائحة عطر باريسي أزكمت الأنوف، مما جعل الرجال الجالسين في المقاعد الأمامية ينظرون إلى الزميلات الجالسات في المقاعد الخلفية، ليهتدوا إلى مصدر هذا العطر الجميل.
لكنهم وجدوا كل زميلة تلتفت إلى زميلتها التي بجوارها، لعلها تكون صاحبة هذا العطر.
لم يعثروا عليها.
نظروا من نوافذ السيارة، فأبصروا «نانا» السكرتيرة الخاصة لرئيس مجلس الإدارة تأتي من بعيد.
تترنح في مشيتها، تجر رجليها، وتحمل حقيبة يدها خلف ظهرها. تساءل البعض عن سبب تركها سيارتها المخصصة لها، وتنازلها وتواضعها للركوب معهم (سيارة الموظفين الغلابة).
أجاب أحدهم:
«يبدو أن سيارتها تعطلت».
قاطعه آخر:
«لا… لا… مشيتها هكذا تدل على أن في الأمر شيئًا».
ترى ماذا حدث؟
تساؤلات عديدة طرحها الزملاء.
ازدادت حيرتهم عندما ركبت السيارة وهي واجمة.
لم تلقِ السلام، ولم تتحدث مع أحد، رغم أنها اعتادت الجلوس في المقاعد الأمامية في صفوف الرجال عندما تتعطل سيارتها.
توجهت «نانا» قاصدة إحدى المقاعد الخلفية التي لم يجلس عليها أحد منذ شهور، حتى امتلأت بالأتربة.
لم تفكر في تنظيف المقعد.
بل زلقت جسدها المترهل عليه بلا وعي، حتى غطت الأتربة ملابسها الأنيقة ووجهها الجميل.
لم تهتم.
ثم وضعت حقيبة يدها بجوارها، ومدت يدها على جانبي المقعد، وفردت ساقيها أسفل المقعد الأمامي.
جلست شاردة الذهن، وأغلقت جفنيها، وراحت في نوم عميق، حتى صدر منها أصوات «شخير» أزعجت الزملاء.
تصبب العرق من جبهتها، رغم أننا في شهر يناير، وانهمر على خديها، فتحول ماكياجها إلى شرائح من ألوان اللخبطة.
انطلقت السيارة من شارع لآخر، و«نانا» على حالتها وسط استغراب الزملاء، حتى انصرفوا عن متابعتها، إلا السائق الذي كان يتابعها في المرآة.
مال على زميل بجواره متسائلًا:
«هل حدث في المؤسسة شيء؟»
أجابه بالنفي، ثم أضاف:
«لا… لا… لا تشغل بالك، هناك شيء خاص بها».
سمعت إحدى الزميلات حديثهما، فتدخلت قائلة:
«لقد كنت معها قبل الانصراف بدقائق، وكانت كعادتها ضاحكة، مبتسمة، بشوشة. ترى ما الذي حدث؟»
أجابها السائق:
«سوف أعرف حالًا. أمامي مطب صناعي، وسوف أضغط على الفرامل فجأة، فتنتبه رغمًا عنها».
ضغط السائق بشدة على الفرامل، فارتطم جميع الركاب بمساند المقاعد الأمامية.
انتفضت «نانا» من مكانها، ولم تشعر بنفسها إلا والزملاء يمسكون بها، وهي ترفع الحذاء تحاول ضرب السائق، وتطلق وصلة من العبارات السوقية، أظهرت الوجه الآخر لها.
لم ينفعل السائق أو يرد عليها، وببرود شديد قابل ذلك بابتسامة باهتة ونظرة استخفاف.
وظل ينظر إليها في المرآة.
وسار في طريقه كأن شيئًا لم يحدث.
استطاع الزملاء تهدئتها وإعادتها إلى مقعدها، وسط تساؤلات كثيرة وهمهمات؛ كل زميل يهمس في أذن من يجلس بجواره، يختلق له قصة يرويها له، ويدعي أنه عالم ببواطن الأمور.
وصلت السيارة أمام منزل «نانا».
اتجه الجميع ببصرهم نحوها، يتابعونها وهي تنزل، لكنها لم تشعر بوقوف السيارة، ولم تهم بالنزول.
ضحكة عالية من إحدى الزميلات، ثم قالت:
«بيتكم أهو يا هانم، قومي انزلي، وريحينا من لسانك، صحيح محدش بينسى!»
لم ترد «نانا» ولم تتهيأ للنزول، كأنها لم تسمع شيئًا.
كرر السائق ما فعله من قبل.
تحرك بسرعة، وتوقف بسرعة.
انتبهت، وتلفتت حولها، وسط أصوات الزملاء يطالبونها بالنزول.
أبصروا أمها تنظر من البلكونة، فنادوا عليها لتأخذ ابنتها.
لملمت «نانا» حقيبتها وجسدها الممتد فوق المقعد وأسفله.
نهضت وهي تتثاءب، وحاولت النزول وهي تترنح.
أسرعت أمها، فتلقفتها، وهي تسأل الزملاء عن حالتها.
أجابوها بالنفي.
أسندت ذراعيها على كتفها، حتى أدخلتها المنزل.
صعدت السلم رويدًا رويدًا، دخلت شقتها، واتجهت مباشرة إلى حجرة أطفالها، وألقت بجسدها على السرير بملابسها وحذائها.
حاولت الأم أن تعرف منها سبب حالتها هذه.
وبكلمات متقطعة قالت «نانا»:
«يا ماما، لم يحدث شيء، شوية إرهاق».
ثم راحت في نوم عميق.
تركتها تستريح.
وبعد فترة قصيرة من النوم، قامت «نانا» مفزوعة وهي تقول:
«خير، اللهم اجعله خير… مستحيل… مستحيل».
شعرت بها أمها ومن معها في المنزل، فأسرعوا إليها وجلسوا بجوارها.
سألتها أمها:
«ماذا حدث يا ابنتي؟»
وكطفلة صغيرة، وضعت رأسها بين أحضان أمها، وانفجرت في البكاء.
وبعد فترة صمت سألتها أمها:
«خير يا بنتي، طمنيني، قمتي مفزوعة كده ليه؟»
قالت «نانا»:
«مستحيل يا أمي أن أعود مرة أخرى وسط المكاتب المكدسة، والحوائط التي اختفت معالمها خلف الدواليب والملفات والدفاتر التي تحوي بينها أعدادًا وأنواعًا كثيرة من الحشرات والأتربة المتراكمة… لا.
مستحيل يا أمي أن أعود مرة أخرى إلى هذا المكان. لقد كرهته، ولم أعد أطيق رؤيته، حتى زملائي كرهتهم، وكرهت حكاياتهم المملة. لقد عشت بينهم خمس سنوات في هذا المكان الكئيب.
فهذا الكابوس هو الذي أفزعني من نومي».
ثم انهمرت في البكاء.
ضمتها أمها متسائلة:
«ليه يا بنتي الفال الوحش ده؟»
أجابتها «نانا»:
«قبل ميعاد الانصراف بدقائق، صدر قرار مفاجئ بإحالة «البيه» رئيس مجلس الإدارة للمعاش قبل الميعاد القانوني، ولا أدري لماذا؟ وقرار آخر بتعيين «بيه» جديد لا أعرف عنه شيئًا».
تعجبت الأم، ثم قالت لها:
«فيها إيه يا بنتي؟ مش يمكن يكون زي البيه اللي مشي، ويوافق على شغلك معه؟ إنتِ ناجحة في شغلك».
أجابتها «نانا»:
«لا يا ماما، كل مسؤول جديد يغير طاقم السكرتارية بآخر جديد يعرفهم ويعرفونه، ونادرًا ما يُبقي على أحد من الطاقم القديم».
فقاطعتها أمها:
«مش يمكن…؟»
بانفعال قالت «نانا»:
«أرجو ذلك يا أمي».
لم أنس يوم أن جاء «البيه» السابق، ومر بالمكاتب، واتجه ببصره نحوي. ابتسمت له بدلال، فبادلني الابتسامة، وبعدما عاد إلى مكتبه، وجدت الساعي يخبرني بأن «البيه» طالبني، ومش عارفة ليه، وزي ما يكون قلبي حاسس بالخير.
عندما دخلت مكتبه، وهذه أول مرة أدخل فيها مكتب «البيه»، وملا بسي في عمرها الأخير، ووجهي الذي أوشكت التجاعيد أن تهاجمه، وشعري الذي يحاول الهروب من المشيب، تمالكت نفسي.
فمكتبه الفسيح يحتاج إلى سيارة للوصول إلى آخره، والسجاد الفاخر، والجدران تملؤها المناظر الطبيعية، وخلف كرسي «البيه» معلقة على الحائط صورة «الرمز».
«ياااه، كأني في حلم».
تركني أتأمل مكتبه، وادعى انشغاله في أوراق أمامه، حتى وصلت قدماي بجوار الكرسي الذي يجلس عليه.
قام وسلم عليَّ، وطالت يده في يدي، وأشار لي أن أجلس على الكرسي الفوتيه المواجه له.
«الجيب» كانت قصيرة، حاولت مطها لستر أكبر جزء، فابتسم ابتسامة خفيفة.
ضغط على زر الجرس، حضر الساعي، وسألني عن أي نوع من المشروبات أرغب في تناوله.
تلعثم لساني، وكاد قلبي يطير من الفرح:
«البيه بنفسه يطلب لي مشروبًا… لا… لا… هذا كثير».
رفضت بشدة، وأمام إصراره طلب هو لي قهوة زيادة مثلما يريد.
انصرف الساعي، وأصبحت وحدي معه.
قال لي:
«إنني أعرف عنك كل شيء».
سألني:
«هل أنا سعيدة في مكان عملي؟»
فلم أرد عليه، واكتفيت بالنظر في عينيه، فهم ردي.
وبعد برهة من الصمت، واصل حديثه قائلًا:
«السكرتيرة منة قد تزوجت وسافرت مع زوجها إلى الخارج، وأبلغتنا بعدم عودتها».
منه شعرت بشيء من السعادة، وتذكرت يوم وفاة زوجي، وحاولت أن أستأذن من «البيه» كي أذهب لتوديعه إلى مثواه الأخير، لكن يومها رفضت، ثم أمرتني أن أكتب ما أريد على طلب، وسوف تعرضه في ملف البوسطة عندما يطلبها «البيه».
توسلت لها في مقابلته شخصيًا، لكنها تجاهلتني، وانصرفت إلى جهازها الكمبيوتر، وظلت تضرب بإصبعها المدبب على أزرار الجهاز دون فائدة.
فما كان مني إلا أن امتثلت للأمر، وكتبت طلب سلفة مالية سريعة لمعاونتي في الظرف الطارئ. أخذت الطلب مني ونظرت فيه، وهي تمصمص شفتيها على مضض.
طرقات خفيفة على المكتب…
وصوت البيه يقول:
«نحن هنا».
«ما هو رأيك أن تعملي سكرتيرة لي؟»
أدهشني الخبر، ولساني نطق بغير وعي:
«سكرتيرتك يا سعادة البيه؟! إيش جاب لجاب؟! هذا الحلم كثير عليَّ، لا تستهزئ بي».
أجابها:
«ليس استهزاء».
ثم طلب مدير شؤون العاملين حالًا، ومعه قرار نقلي من الأرشيف إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة.
في اليوم التالي، ومع أول لحظة استلامي العمل، طلبني، ونظر إليَّ من أعلى إلى أسفل، ثم أعطاني مكافأة مالية كبيرة لزوم الملابس والماكياج والإكسسوارات.
لأول مرة في حياتي أعرف أن هناك اختراعًا اسمه «الكوافير».
وبعد يومين، نظرت في المرآة التي ودعتها منذ سنوات، فوجدت «نانا» جديدة لم أعرفها.
وبعد أيام قليلة أصبحت كل شيء في حياة «البيه»، وذات نفوذ في المؤسسة.
وطوال هذه الفترة وأنا أعيش في الجنة.
فكيف أخرج منها بهذه السهولة؟
وبينما كانت أمنيتي عندما يقبل الليل أن ينقضي بسرعة لكي أذهب إلى العمل، لكن في هذه الليلة تمنيت ألا يطلع النهار.
في الصباح، على باب المؤسسة، أحست «نانا» بشيء غريب.
في الطرقة المؤدية إلى مكتبها، رأت العمال يحملون مكتبها إلى الخارج.
وعندما رآها الساعي من بعيد، أقبل إليها مسرعًا، وطلب منها المفتاح، لأن «نونو» السكرتيرة الجديدة حضرت لاستلام العمل، وصدر قرار بعودتك إلى………….
———
تمت بحمد الله.