نقص الكتب المدرسية في العراق.. أزمة تؤرق الأسر والبدائل مكلفة

صفاء الكبيسي

قبيل أيام من انطلاق العام الدراسي الجديد، نشطت تجارة الكتب المدرسية في العراق، خاصة مع إعلان وزارة التربية عدم وجود معالجات لأزمة توفيرها في العام الدراسي المقبل، في مؤشر إلى تكرار سيناريو الأعوام الماضية، حين اضطر الطلبة إلى بدء الدراسة من دون مناهج مكتملة، بينما يجبر أولياء الأمور على شراء الكتب من السوق أو تصويرها على نفقتهم الخاصة. وراجت في الأيام الأخيرة إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي، لمطابع كثيرة ومكتبات ووسطاء، عرضوا طبعات للكتب المدرسية وأسعارها، مع خدمة التوصيل إلى المنزل، في خطوة تتكرر في كل عام دراسي جديد، وهو ما يرهق كاهل العائلات العراقية.

ووفقاً للحاج أبو يحيى العبودي، وهو صاحب مطبعة في سوق المتنبي في بغداد، فإن توفير الكتب “يساعد الطلاب على تجاوز الأزمة”، مشيراً لـ”العربي الجديد”، إلى أن “الوزارة تعجز عن توفير الكتب مع بداية كل عام دراسي، وفي حال لم نوفرها، يبقى الطلاب بلا كتب دراسية، نحن لا نستغل الأزمة، بل نغطي جزءاً من الخلل التعليمي بتوفير الكتب، ولا شك أننا نحقق أرباحاً“.

وعلى الرغم من حديث صاحب المطبعة، يثبت الواقع أن هناك استغلالاً للأزمة لتحقيق الأرباح، بحسب أولياء أمور، ولا سيما أن أسعار الكتب مرتفعة، وأن الجهات المختصة لا تفرض أي رقابة على الأسعار. ومما أسهم في ازدهار تجارة الكتب، هو اعتراف وزارة التربية، أن الأزمة مستمرة هذا العام، وأنها ستعتمد على تدوير الكتب التي استخدمت في السنوات السابقة، وأكد المتحدث باسم الوزارة، كريم السيد، في بيان صحفي، أن “المبلغ المخصص لطباعة الكتب لهذا العام يمثل نحو ثلث المبالغ التي كانت تُخصص لهذا الملف في سنوات سابقة قياساً بعدد الطلبة”، وهو ما أكد المخاوف من عدم قدرة المدارس على توفير نسخ جديدة كافية لجميع الطلبة. هذا الواقع جدد القلق المتكرر لدى أولياء الأمور والمتخصصين، الذي يرافقهم كل عام دراسي، في ظل استمرار الفجوة بين أعداد الطلبة المتزايدة والكتب المتوفرة، الأمر الذي يجعل الكتاب المدرسي يتحول من حق أساسي إلى عبء إضافي تتحمله العائلات.

يقول مثنى المحمدي، مدير إحدى المدارس الابتدائية في بغداد، إن “إدارات المدارس تجد نفسها كل عام أمام أزمة لا تملك حلولاً لها، إذ إن الكميات التي تصل في كثير من الأحيان لا تغطي حاجة الطلبة، فيما تكون نسبة من الكتب قديمة وتالفة نتيجة تداولها لسنوات متعاقبة”. مؤكداً أن “إدارات المدارس تضطر إلى توزيع الكتب وفق آليات مؤقتة أو تأجيل تسليم بعض المناهج لحين وصول دفعات جديدة، وهو ما ينعكس سلباً على انتظام العملية التعليمية منذ الأسابيع الأولى”، مشيراً إلى أن “المعلم يواجه صعوبة في شرح الدروس عندما لا يكون لدى جميع الطلبة نسخاً من المنهج“.

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند المدارس، إذ تمتد إلى العائلات التي تجد نفسها مضطرة إلى تحمل نفقات إضافية مع بداية كل عام دراسي، رغم أن الكتب المدرسية يفترض أن توزع مجاناً. ويقول مازن العبيدي، وهو موظف حكومي وأب لطالبين في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، “اعتدنا منذ سنوات على تخصيص جزء من مصروفها لشراء الكتب أو تصويرها، لأن انتظار وصول المناهج من المدرسة قد يستغرق أسابيع أو أشهراً، كما أنها غير مكتملة ومعظمها تالفة”، مضيفاً أن “ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الرواتب يجعل هذه المصاريف عبئاً جديداً على العائلات، خصوصاً مع شراء القرطاسية والملابس المدرسية وأجور النقل”، مؤكداً أن “الكثير من أولياء الأمور لم يعودوا يثقون بإمكانية حصول أبنائهم على المناهج كاملة مع بداية العام الدراسي، لذلك يلجؤون مباشرة إلى الأسواق المحلية لضمان عدم تأخرهم عن الدراسة“.

وتشهد المكتبات في مختلف المحافظات مع اقتراب كل عام دراسي إقبالاً متزايداً على شراء الكتب المنهجية أو نسخها، وهي ظاهرة باتت تتكرر سنوياً بالتزامن مع شكاوى المدارس من نقص الإمدادات الرسمية، ما خلق سوقاً موازية للمناهج الدراسية، رغم أن الأصل في توفيرها يقع على عاتق الدولة وبالمجان. ولم تعد أزمة الكتب المدرسية مرتبطة بظرف مالي مؤقت، وإنما أصبحت مشكلة هيكلية تعكس غياب التخطيط طويل الأمد لمعالجة أحد أهم ملفات التعليم في البلاد. إذ شهدت الأعوام الدراسية الماضية تكرار شكاوى من قبل إدارات المدارس وأولياء الأمور من نقص الكتب في مختلف المراحل الدراسية، حيث واصل آلاف الطلبة دراستهم لأشهر قبل تسلّم المناهج كاملة، فيما تسلم آخرون كتباً قديمة وتالفة أعيد استخدامها لعدة سنوات.

قد يعجبك ايضا