شيركو حبيب
هناك تواريخ لا تمر في حياة الشعوب كما تمر بقية الأيام، بل تبقى حاضرة في الذاكرة، لأنها تحمل في طياتها حكاية وطن، وتضحيات أجيال، وأسماء أسهمت في صناعة جزء من التاريخ.
والسادس عشر من آب/أغسطس واحد من هذه التواريخ. ففي عام 1946، تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليبدأ فصلاً جديداً في تاريخ الحركة الوطنية الكوردستانية. وفي اليوم نفسه، وُلد الرئيس مسعود بارزاني، الذي أصبح، بعد عقود، واحداً من أبرز القادة السياسيين في تاريخ كوردستان الحديث.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني
بالنسبة إليّ، عندما أتأمل معنى السادس عشر من آب، لا أراه مجرد ذكرى سنوية لتأسيس حزب سياسي، ولا مجرد مناسبة نستعيد فيها تاريخاً مضى، بل أراه يوماً تختصر فيه الذاكرة الكوردستانية مفارقة تاريخية نادرة: ميلاد حزب وميلاد قائد في اليوم ذاته.
وإذا كان تأسيس الحزب قد شكّل بداية لمسيرة سياسية امتدت ثمانية عقود، فإن ولادة مسعود بارزاني في اليوم نفسه جعلت من هذا التاريخ أكثر حضوراً في الوجدان السياسي الكوردي.
لم يكن مسعود بارزاني بعيداً عن التاريخ الذي وُلد في ظله، فقد نشأ في عائلة ارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بالقضية الكوردستانية، وفي مقدمتها والده الملا مصطفى بارزاني الخالد، الذي لم يكن بالنسبة إلى الكورد مجرد قائد عسكري أو سياسي، بل أصبح رمزاً لنضال أجيال من أجل الحرية والحقوق والكرامة.
ومن هنا بدأت قصة مسعود بارزاني.
لم تكن طفولته طفولة عادية، ولم يكن الطريق الذي اختاره لاحقاً سهلاً؛ فقد عاش منذ سنواته الأولى في أجواء الثورة والتهجير والمواجهة والتحديات، وشاهد بأم عينيه معنى أن يكون الإنسان جزءاً من قضية تتجاوز حياته الشخصية.
وربما لهذا السبب، عندما أصبح لاحقاً قائداً، لم تكن القيادة بالنسبة إليه مجرد منصب، وإنما مسؤولية نشأت معه وتطورت عبر التجربة.
مسعود بارزاني
عاصر الزعيم مسعود بارزاني مراحل مختلفة من تاريخ كوردستان، من زمن الكفاح المسلح إلى زمن العمل السياسي، ومن الجبال إلى المؤسسات، ومن ظروف العزلة والحصار إلى الانفتاح على المجتمع الدولي، ومن مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ التجربة السياسية في إقليم كوردستان.
وهنا تكمن خصوصية تجربته؛ فالقائد الذي نشأ في زمن الثورة وجد نفسه لاحقاً أمام مسؤولية إدارة مرحلة مختلفة تماماً، تتطلب أدوات جديدة، ورؤية سياسية أكثر تعقيداً، وقدرة على التعامل مع العراق ودول الجوار والقوى الدولية.
تحديات كوردستان
لم تكن الطريق دائماً سهلة أو مستقيمة؛ فقد شهدت انتصارات وإخفاقات، وقرارات صعبة، وأزمات سياسية، وحروباً وتحديات داخلية وإقليمية. لكن التاريخ لا يُقرأ من خلال لحظة واحدة أو قرار منفرد، وإنما من خلال المسار العام والتجربة الكاملة.
ومن وجهة نظري، فإن أبرز ما يميز مسيرة الزعيم مسعود بارزاني هو ارتباط اسمه بمرحلة انتقال الحركة الكوردستانية من منطق الثورة إلى منطق المؤسسات، ومن حمل السلاح دفاعاً عن الوجود إلى بناء تجربة سياسية تسعى إلى تثبيت الحقوق من خلال الدستور والمؤسسات والعلاقات الدولية.
مواجهة تنظيم داعش
كانت مواجهة تنظيم داعش الإرهابي إحدى أكثر المحطات قسوة في تاريخ كوردستان الحديث. ففي تلك المرحلة، كان البيشمركة في الخطوط الأمامية، ودفعوا ثمناً غالياً دفاعاً عن كوردستان وعن الأمن الإقليمي والدولي.
وفي تلك المواجهة، أصبح اسم كوردستان حاضراً بقوة في المشهد الدولي، وأثبتت قوات البيشمركة أن الشعب الذي ناضل طويلاً من أجل حريته قادر أيضاً على أن يكون شريكاً في الدفاع عن السلام والاستقرار.
لكنني أعتقد أن الحديث عن الزعيم مسعود بارزاني لا ينبغي أن يتحول إلى حديث عن شخص بمعزل عن المؤسسة والتاريخ. ولهذا، فإن احترام الزعيم مسعود بارزاني، في نظري، هو أيضاً احترام لتلك الأجيال التي آمنت بالقضية، وتحملت الصعوبات، ودافعت عن كوردستان في أصعب الظروف.
وفي الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز الاحتفال: ماذا نريد من هذا الإرث؟
هل نريد أن نبقى أسرى للذكريات، أم نريد أن نجعل من التاريخ قوة تدفعنا إلى الأمام؟
إن الوفاء للبارزاني الخالد لا يكون فقط برفع صوره وترديد اسمه، وإنما بالتمسك بالقيم التي آمن بها: الصمود، والكرامة، والوحدة، والدفاع عن الحقوق، والإيمان بأن الشعب الذي يعرف قيمة حريته يستطيع أن يصنع مستقبله.
كما أن الوفاء للزعيم مسعود بارزاني لا يكون فقط بترديد إنجازاته، بل أيضاً بالحفاظ على ما تحقق، وتعزيز المؤسسات، وحماية التجربة الديمقراطية، والسير على نهج بارزان وتوجهاته.
فالقيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تتركه خلفها، وإنما بما تتركه للأجيال القادمة.
واليوم، ونحن ننظر إلى ثمانين عاماً من عمر الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فإن المسؤولية أصبحت أكبر. فقد تغير العالم، وتغيرت المنطقة، وتغيرت أدوات السياسة، لكن الحاجة إلى الحرية والديمقراطية والعدالة والاستقرار ما زالت قائمة.
ولهذا، فإن السادس عشر من آب/أغسطس يجب أن يكون بالنسبة إلينا يومَ ذاكرة ويومَ مسؤولية في الوقت نفسه؛ نستذكر فيه الملا مصطفى بارزاني الخالد، ونستذكر المؤسسين والمناضلين والشهداء، ونستذكر مسيرة الحزب الطويلة، ونستذكر الرئيس مسعود بارزاني الذي ارتبط ميلاده بهذا التاريخ، ثم نسأل أنفسنا: ماذا سنقدم نحن لكوردستان؟
مسؤولية وطنية كبيرة
لقد ورثنا تاريخاً، وعلينا أن نتحمل مسؤولية المستقبل الذي سيحكم علينا من خلاله. ومن هنا، فإن السادس عشر من آب ليس مجرد يوم للاحتفال بتأسيس حزب، وليس مجرد يوم لميلاد قائد، بل هو يوم تختصر فيه ذاكرة كوردستان ثمانين عاماً من الأمل والتضحيات والنضال والتجربة.
وفي هذه المناسبة، أجد أن أجمل ما يمكن قوله هو أن التاريخ قد جمع في يوم واحد بين ولادة مؤسسة سياسية وولادة شخصية أصبحت لاحقاً جزءاً من تاريخها.
في السادس عشر من آب، وُلد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وفي السادس عشر من آب وُلد مسعود بارزاني. وبين الميلادين امتدت رحلة طويلة من الجبال إلى المؤسسات، ومن الثورة إلى السياسة، ومن التضحيات إلى بناء المستقبل.
أما نحن، أبناء هذه المرحلة، فعلينا ألا نكتفي بأن نكون شهوداً على التاريخ، بل علينا أن نكون أوفياء له، وأن نحول إرثه إلى عمل، وتضحياته إلى مسؤولية، وأحلام أجياله إلى مستقبل يليق بكوردستان