“التاريخ أكبر مدرسة”… لكننا ما زلنا نرسب فيها بجدارة

ياسين الحديدي

يُحكى أن مديرًا تنفيذيًا جديدًا تسلّم إدارة شركة تعاني من أزمات متراكمة. وقبل مغادرة المدير السابق، الذي أُقيل بسبب فشله، سلّمه ثلاثة أظرف مغلقة ومرقّمة، وقال له:

“إذا واجهتك أزمة لا تجد لها حلًا، فافتح الظرف الأول. وإذا تكررت الأزمات، فافتح الثاني. أما إذا ضاقت بك السبل تمامًا، فافتح الثالث.”

بعد مدة، تراجعت مبيعات الشركة وبدأت المشكلات تتفاقم. فتح المدير الجديد الظرف الأول، فوجد فيه عبارة:

“حمّل المدير السابق كامل المسؤولية.”

فخرج إلى الإعلام والشركاء معلنًا أن ما يحدث ليس سوى نتيجة أخطاء الإدارة السابقة و”التركة الثقيلة” التي ورثها، فاقتنع الجميع، ومرّت الأزمة مؤقتًا.

وبعد عام، عادت المشكلات الإدارية والمالية للظهور. فتح الظرف الثاني، فوجد فيه:

“أعد هيكلة الشركة.”

فبدأ بتغيير المديرين، وتسريح بعض الموظفين، وتشكيل فرق عمل جديدة، وانشغل الجميع بإعادة الهيكلة، حتى انقضت الأزمة الثانية دون حلول حقيقية.

لكن بعد فترة، وصلت الشركة إلى حافة الإفلاس، ولم تعد تنفع لا شماعة الإدارة السابقة ولا إعادة الهيكلة. عندها فتح الظرف الثالث، فوجد مكتوبًا فيه:

“جهّز ثلاثة أظرف للمدير القادم.”

هذه القصة، وإن كانت متداولة في الأدبيات الإدارية الغربية، فإن لها ترجمة عراقية خاصة، ربما أكثر واقعية.

فعندنا، إذا استعصت مشكلة، يكون الحل الأول هو تشكيل لجنة، ثم تقوم اللجنة بتشكيل لجنة فرعية، وربما تنبثق عنها لجنة أخرى، حتى يضيع أصل المشكلة بين الاجتماعات والمحاضر.

ولو أردنا ترجمة الأظرف الثلاثة باللهجة العراقية، لكانت على النحو الآتي:

* الظرف الأول: “ارمِها براس اللي قبلك.”
وهي نظرية التركة الثقيلة، وتحميل من سبقك كل أسباب الفشل.
* الظرف الثاني: “شكّل لجانًا وأعد الهيكلة.”
وهي نظرية التخدير الإداري، حيث ينشغل الجميع بالإجراءات بدل معالجة أصل المشكلة.
* الظرف الثالث: “دبّر روحك، واغسل إيدك، وجهّز ثلاثة أظرف للي يجي بعدك.”
وهي نظرية تسليم الراية، ونقل الأزمة إلى المسؤول القادم.

المسؤول الفاشل لا يعالج المرض، بل يؤجل أعراضه ويغطي عليها بالمبررات. يبدأ بإلقاء اللوم على من سبقه، ثم يرفع شعار إعادة الهيكلة، وعندما تستنفد هذه الأعذار، لا يبقى أمامه سوى إعداد المسرح لمن سيخلفه.

وهكذا تستمر الحلقة نفسها، وتتكرر الأخطاء ذاتها، بينما يبقى المواطن هو من يدفع الثمن.

فالتاريخ أكبر مدرسة… لكن المؤسف أننا ما زلنا نرسب فيها بجدارة.

قد يعجبك ايضا